في 6 مجلدات و3 آلاف صفحة.. مناقشة موسوعة الأديان للخشت بمعرض الكتاب
شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب، اليوم الخميس 22 يناير، ندوة لمناقشة كتاب "موسوعة الأديان العالمية» للمفكر الكبير والدكتور محمد عثمان الخشت، وذلك بقاعة كاتب وكتاب، وسط حضور لافت من الأكاديميين والمفكرين والباحثين، وتم ترجمة الندوة إلى لغة الإشارة لتعميم الاستفادة من النقاشات.
أدار الندوة الدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وشارك في مناقشتها كل من الأستاذ الدكتور حسن حماد عميد كلية الآداب جامعة الزقازيق سابقًا، ورئيس لجنة ترقيات اساتذة الفلسفة بالجامعات المصرية، والأستاذ الدكتور غيضان السيد علي أستاذ الفلسفة الحيثة بجامعة بني سويف.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور أحمد بلبولة، أن الموسوعة تمثل واحدًا من أهم المشروعات الفكرية العربية في مجال دراسة الأديان، مشيرًا إلى أن الدكتور محمد الخشت عكف على إنجازه ما يقرب من عشرين عامًا، وقدم من خلالها معالجة غير تقليدية لقضايا الدين، تتجاوز السرد التاريخي إلى تحليل العلاقات العميقة بين الأديان والفلسفة والعلوم الإنسانية والطبيعية.
وأضاف الدكتور بلبولة، أن الموسوعة تتلافى أخطاء شائعة في ترجمة المصطلحات والخلط المفاهيمي الذي وقعت فيه أعمال سابقة، وتقدم رؤية موسوعية شاملة تجعلها مرجعًا مهمًا للباحثين وللأجيال الجديدة.
وفي كلمة مسجلة، أوضح الدكتور محمد عثمان الخشت، أن موسوعة الأديان العالمية صدرت في ستة مجلدات، وتضم الأديان الكبرى والصغرى، سواء المعاصرة أو التي ظهرت عبر تاريخ الإنسانية، مؤكدًا أنها ليست موسوعة دينية تقليدية، بل موسوعة في فلسفة الدين أيضًا.
وقال الدكتور محمد الخشت، إن الموسوعة لا تكتفي بالشخصيات الدينية، بل تضم شخصيات فلسفية وعلمية كان لها موقف من الدين، مثل أفلاطون، وابن رشد، وديكارت، وهيجل، وماركس، ونيوتن، وفرويد، وابن خلدون، من زاوية علاقتهم بالفكر الديني، لافتًا إلى أن الموسوعة خضعت لمراجعات علمية دقيقة من أساتذة متخصصين في مجالات متعددة، لضمان سلامة المصطلحات ودقة المفاهيم، مؤكدًا أنها أول موسوعة عربية مؤلفة عن الأديان العالمية بالمعنى العلمي الدقيق لكلمة موسوعة.
من جانبه، وصف الدكتور حسن حماد الموسوعة بأنها عمل ثقيل العيار في الفكر العربي، مشيرًا إلى أنها تؤكد فكرة التعددية الدينية بوصفها أساسًا لمواجهة التعصب والإرهاب، مؤكدًا أن قراءة تاريخ الأديان كما تقدمها هذه الموسوعة تكشف أن التعدد والتنوع هما جوهر التجربة الإنسانية، وأن ادعاء امتلاك حقيقة مطلقة هو منبع العنف والإقصاء.
وأضاف الدكتور حسن حماد، أن الموسوعة لا تتحدث عن تاريخ الأديان فقط، بل عن تاريخ الإنسان نفسه، لافتًا إلى أنها تعيد الاعتبار للنزعة الإنسانية، وتؤسس لفكرة العيش المشترك واحترام الإنسان بوصفه قيمة عليا.
من جانبه، أكد الدكتور غيضان السيد، أن الموسوعة جاءت لتسد فجوة كبيرة في المكتبة العربية، موضحًا أن كثيرًا من الموسوعات المؤلفة افتقدت التحري والدقة والشمول، بينما وقعت الموسوعات المترجمة في انحيازات ثقافية وغربية واضحة.
وقال الدكتور غيضان، إن الدكتور الخشت قدم نموذجًا مختلفًا في دراسة الأديان، قائمًا على تتبع التفاعل والتأثير المتبادل بين الأديان، لا مجرد المقارنة السطحية بينها، مشيرًا إلى أن الموسوعة تميزت بالفصل الواضح بين الحقائق الموضوعية، والحقائق التاريخية، والرؤى الذاتية.
وشهدت الندوة مداخلات متعددة، أشاد خلالها عدد من الأساتذة والباحثين، بجرأة الطرح الموسوعي، معتبرين أن العمل نقلة نوعية في دراسة الأديان، ومرجع أساسي للباحثين في الفلسفة والدراسات الدينية، حيث قال الدكتور عبد الراضي رضوان عميد كلية دار العلوم السابق، إن إقدام الدكتور محمد عثمان الخشت على تأليف موسوعة شاملة في الأديان يعد شجاعة علمية كبيرة ، لأن العمل الموسوعي في هذا الحقل يتطلب معرفة واسعة، وجهدًا استثنائيًا، وإحاطة دقيقة بالديانات وتصنيفاتها ولغاتها المختلفة. ومع خبرتي الممتدة لأكثر من أربعين عامًا في دراسة الأديان، أؤكد أن هذا النوع من المشروعات الفكرية من أصعب ما يمكن إنجازه علميًا.
وقال الدكتور هشام زغلول الأستاذ بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة، إن ما أنجزه الدكتور محمد عثمان الخشت في موسوعة الأديان العالمية عمل موسوعي استثنائي، كان يمكن أن تقوم به مؤسسة كاملة، لا فرد واحد، خاصة أنه يمتد لحوالي ثلاث آلاف صفحة ويضم مئات المداخل الثرية والمتعددة، مؤكدًا أن هذا الجهد يعكس موسوعية المؤلف، ورحابة رؤيته للعالم، وتعدد منطلقاته الفكرية، فضلًا عن قدرته على الفصل الدقيق بين الذاتي والموضوعي، بما يتيح للقارئ قراءة معرفية متزنة تقوم على المشترك الإنساني وتفتح أفقًا إنسانيًا جديدًا لفلسفة الدين في سياق ما بعد الحداثة.
ومن جانبه، قال الدكتور محمد ثروت مدير تحرير بجريدة اليوم السابع، إن الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت تكبد عناء عمل موسوعي عادة ما تقوم به فرق بحثية كاملة، وتجربتي في المشاركة بموسوعات غربية أكدت لي حجم الفجوة المعرفية في فهم كثير من المفاهيم الدينية والثقافية لدينا، وهو ما يجعل هذا المشروع العربي بالغ الأهمية، خاصة في ظل التحولات الفكرية الراهنة المرتبطة بعصر ما بعد الإنسان والذكاء الاصطناعي، وما يفرضه من أسئلة جديدة حول علاقة الدين بالعلم والإنسان.
وفي سياق المداخلات الفكرية، أكد الاستاذ الدكتور الدكتور ياسر قنصوة أستاذ الفلسفة بجامعة طنطا، أن الموسوعة عمل كبير، مؤكدا ان التراث العربي وتاريخنا الفكري يتسم بالرحابة التي تسع الجميع، مشيرًا إلى أنه طالما وجد عبر التاريخ من يعتقد بامتلاك الحقيقة المطلقة، وبالمقابل وجد من يتبنى منهج التأويل والرؤى المغايرة، وكلاهما موجود في تراثنا ولا يمكن لطرف أن ينفي الآخر.
وفي مداخلة نقدية، أشارت الدكتورة عزيزة بدر رئيس قسم الفلسفة بكلية البنات جامعة عين شمس، إلى أن التراث العربي والإسلامي يزخر بإسهامات الفلاسفة المسلمين، وعلوم الكلام واللاهوت، والدين المقارن، وهي حقول تمثل في جوهرها «فلسفة للدين» نابعة من سياقنا الحضاري المغاير للسياق الغربي.
من جانبها، أشادت الباحثة ابتهال عبد الوهاب، بجرأة وشجاعة الطرح في الموسوعة، مؤكدة أن أهميتها لا تنبع فقط من ضخامتها وشموليتها، بل في اقتحامها لمناطق شائكة، حيث نجحت في استبدال منطق «الإلغاء والتكفير» بمنطق «الفهم والتفسير والتأويل»، متوقعة أن تُحدث الموسوعة نقلة نوعية في مناهج دراسة الأديان وتصبح مرجعًا لا غنى عنه للباحثين في الفلسفة والدراسات الدينية.
وفي ختام الندوة، أكد الدكتور أحمد بلبولة أن النقاشات التي أثارتها الموسوعة تفتح الباب أمام جدل فكري صحي ومتجدد، مشيرًا إلى أن مثل هذه الأعمال تعيد للفكر العربي دوره في طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدين والإنسان والعالم.
























