ياسمين عبدالرحمن ثابت قراءة في ديوان شراشيب صور للشاعر محمد البيطار
يأتي ديوان شراشيب صور بوصفه تجربة شعرية تنحاز إلى الذاكرة لا باعتبارها سجلًّا لما كان، بل أثرًا لما تبقّى. فالإنسان في هذا الديوان لا يُقدَّم كصورة مكتملة، بل كنفس ترى روحها من الاطراف؛ كأنّه كاميرا روحية لا تلتقط ما يظهر، بل مايبقى عالقا بعد انطفاء الضوء.
من هنا يبدو العنوان اختيارًا واعيًا:فـ الشراشيب ليست مركز الصورة، بل هامشها، زوائدها، تلك التفاصيل التي لا تنتبه لها العين أولًا، لكنها تحمل الصدق الأعمق. وكأن الشاعر يعلن منذ البداية ان الصورة ليست في المشهد، بل في ما يتدلى منه. لا يقدّم الديوان لقطات منفصلة، بل ينسج رؤية واحدة للحياة، تتأرجح بين النور والظلام و بين الماضي و المجهول و بين الرحيل والرغبة في البقاء . وربما لهذا يمكن قراءة الديوان من زاوية دلالية لا سردية بوصفه رحلة إسراء داخلية لا تحاكي الحدث الديني في شكله، بل تستلم المنطقة الروحية مثل : الانتقال والكشف، ثم العودة محمّلًا بالبصيرة.
منذ الصفحات الأولى، يدخل الشاعر قارئه إلى عالم من الصور التي تتكئ على الفهم القرآني دون مباشرة. في قصيدة ليل داخلي يقول: جوا الممر لقيتني واقف
بسقي ليل العتمة ترياق النهار
الصورة هنا ليست مكتملة، بل عابرة.والممر ليس مكانًا، بل حالة وجودية؛ نقطة "البين" هذه النقطة تعبر عن المنتصف حيث لا وصول فيها ولا مغادرة وهذاهو جوهر الديوان كله:
الحياة لا تُعاش في الصورة ولا خارجها، بل في المسافة المرتبكة بينهما.
هذا الممر يشبه برزخ الرحلة الروحية؛
فالانطلاق ليس من نور جاهز، بل من ليل كثيف، كما تبدأ رحلات الكشف الحقيقية دائمًا.
الليل هنا ليس نفيًا، بل مرحلة تهيئة، زمن عبور، لا زمن ضياع..
وفي موضع آخر يتساءل: أنا ليه هنا؟ طب مين أنا؟
وهو سؤال وجودي لا يبحث عن تعريف، بل عن وعي بعد التجربة.
كأن الشاعر، بعد هذا العبور الداخلي، يقف أمام نفسه ليقرأ “كتاب العمر”، مستحضرًا دون تصريح المعنى القرآني: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فالديوان بأكمله يبدو محاولة لإعادة قراءة الذات بعد الرحلة، لا قبلها.
يبني البيطار ديوانه بمنطق بصري واضح؛ منطق سينمائي بامتياز. كل قصيدة كادر، وكل كادر زاوية وإضاءة وعمق. غير أن الصورة هنا لا تؤدي وظيفة التوثيق، بل وظيفة الكشف.
في قصيدة كادر متصوّرش يقول: كل الأماني اتبروزت على طرف صورة -- للأسف ما اتصورتش
هنا تحديداً نلمس مفارقة للرؤية الروحية وهي أن الكادر الحقيقي هو ما لم يُلتقط.وهذا يتقاطع مع منطق التجربة الروحية نفسها: فالجوهر لا يُنقل كاملًا، بل يُلمَح، ولا يُقال، بل يُشار إليه.
كما أن رحلة الإسراء لم تكن حكاية تفصيلية، بل كشفًا، ولهذا وجدنا الصور هنا ناقصة، مهزوزة، لكنها صادقة.
وفي صورة ع الرصيف يقول:
القطر مجاش… وأنا مستنّيه
لقطة بسيطة، لكنها محمّلة بزمن الانتظار.
القطار هنا ليس وسيلة نقل، بل رمز لعمر يمر، لفرصة لا تأتي، ولحلم يظل على الرصيف. وكأن العودة إلى الأرض بعد الرحلة الداخلية تصطدم بالواقع من جديد.
لغة الديوان عامية، لكنها ليست عامية عابرة. إنها عامية شاعر يعرف كيف يجعل الكلمة البسيطة تحمل ثقلًا روحيًا.
فنجده في حوش بيتنا يقول: طبلية أبويا كما الرئتين
تتنفس حب… وتدي أمان
البيت جسد، والذكريات تنفّس، والطبلية تتحوّل إلى رمز للثبات بعد الرحلة، كما لو أن العودة إلى الجذور هي شرط الاتزان بعد الكشف.
وفي وشوش يقول: كتير بنشوف وشوش الناس
واشكالها
ونسمع صوت في تفاصيلها
ونبني في القلوب مركب
لغة سهلة، لكنها تؤسس لمعرفة إنسانية عميقة: ما يُرى ليس كل شيء، وما يُسمع من تفاصيل الصورة أصدق من الملامح.
ومن الجميل في هذا الديوان اننا نستطيع تتبّع الصورة عبر ثلاثة مستويات:
المستوى الأول يكمن في صورة واقعية مستمدة من تفاصيل الحياة اليومية: كالشارع، المحطة، والرصيف.
اما المستوى الثاني . صورة وجدانية كما في قصيدة ليل داخلي:
جوا منى هزني والليل غميق
بيزوق الضي بوجع
أي أن الاضطراب صادر من الذات نفسها، لا من العالم.
هنا يتحول الإنسان إلى مسرح داخلي لهذا الصراع، والليل ليس زمنًا فحسب، بل حالة نفسية كثيفة.
وفي المستوى الثالث صورة وجودية تظهر في قصيدة سيرة:
الناس بتعيش وتموت دايما
والسيرة بتفضل موجودة.
هنا لا تعود الصورة لقطة، بل خلاصة حياة، ونتيجة رحلة.
تتكرّس في الديوان ثيمات واضحة مثل : الزمن، والوجع الداخلي، والصبر، والسؤال الوجودي، والإيمان الخفي. إيمان لا يُطرح كعقيدة جاهزة، بل كانعكاس روحي يرافق النص، هذا الانعكاس يوجه العقل الي رحلة كشف عظيمة يعقبها رجوع إلى عالم لا انفصال عنه.
فالإسراء في جوهره ليس هروبًا من الأرض، بل عودة إليها محمّلة بالبصيرة. وهذا ما نرى الشاعر متاثرا به ف الشاعر: يعود إلى البيت، إلى الوجع، إلى الناس، إلى نفسه.
اما اذا تحدثنا عن نقاط قوة الديوان فنجد وضوح الصوت الداخلي وصدق التجربة وترابط الرؤية دون تكرار. كما أن اللغة العامية المستخدمة في جميع قصائد الديوان تمنح النص بعدًا روحيًا نادرًا في الشعر المعاصر.
أما الملاحظات فتتمثّل أحيانًا في زحام الصور أو امتداد بعض المقاطع أكثر مما تحتمل الفكرة مع تفاوت نسبي في قوة القصائد. غير أن هذا لا ينتقص من قيمة العمل إذ يظل متماسكًا بروحه ومشهدِيّته. في النهاية لا يمكن النظر إلى شراشيب صور باعتباره ديوان شعر فحسب بل تجربة إنسانية تشبه رحلة داخلية من الصورة إلى معناها ومن الوجع إلى البصيرة ومن السؤال الرئيسي إلى سؤال أعمق. ديوان شراشيب صور لا تقرأه مرة واحدة لأن كل قراءة تمنحك صورة جديدة وكأن الشاعر يقول لك بهدوء اقرأ صورتك اقرأ وجعك واقرأ كتابك.
قراءة وتحليل ::::: الكاتبة ياسمين عبدالرحمن ثابت













