الدكتور فؤاد منير يكتب : تريند أم جرس إنذار النظام العام تحت الضغط الرقمي
تحول فرح كروان مشاكل من مناسبة اجتماعية خاصة إلى حدث عام صاخب كشف عن تصدع عميق في العلاقة بين القانون والقيم ومنصات التواصل الاجتماعي في مصر وأبرز ملامح ما يمكن تسميته بالنظام العام الرقمي الذي يزاحم النظام العام التقليدي على توجيه سلوك الأفراد، فلم يعد الفرح مجرد طقس اجتماعي محكوم بعُرف الأسرة والحي والقاعة بل صار مشروع محتوى تُصاغ تفاصيله بعقلية التريند أكثر مما تصاغ بروح المناسبة الإنسانية في مشهد مكتمل الأركان.
كاميرات في كال زاوية، مؤثرون يتدافعون على المسرح، وجمهور يتحرك كما لو كان كومبارس في بث مباشر لا ينتهي.
ففي قاعة متوسطة الحجم احتشد المئات من المدعوين والمتابعين والفضوليين جاء بعضهم من باب القرابة وأكثرهم بدافع الفضول الرقمي يريد لقطة أو مقطعاً في فيديو على حساب مشهور وما ب>ا كحفل زفاف تقليدي انتهى بفوضى عارمة تدافع عند الأبواب، تحرش بالفتيات وسط الزحام، تكسير في محتويات القاعة، إغماءات متتالية للعروسين ثم هروب جماعي أو بالأحرى إخلاء اضطراري من مسرح حادث، وفي اليوم التالي لم يكن السؤال (هل العروسين بخير؟؟) بل كان السؤال (هل شاهدت الفيديو؟؟) وكأن القيمة الأولى للحدث هي قابليته للمشاهدة لا كرامة أبطاله.
وأمام هذه الفوضى تحركت الدولة بأدواتها المألوفة وصدر بيان رسمي بضبط عدد من الحاضرين بتهم تحرش، إتلاف ممتلكات وإدارة قاعة بدون ترخيص، وبدأ المشهد في ظاهره تطبيقاً لنموذج الضبط التقليدي سلوك مجرم، تحقيق، إحالة للنيابة، وملف سيأخذ مساره في القضاء.
لكن عيون الرأي العام لم تكن معلقة على نصوص قانون العقوبات أو تفاصيل الترخيص الإداري للقاعة بقدر ما كانت مشغولة بسؤال مختلف وهو كيف تحول هذا الفرح إلى ما يشبه تجربة اجتماعية عنيفة صُنعت عمداً لتولد تريند يتغذى على الصدمة؟
وفي الفقه والقضاء المصري يظل مفهوم النظام العام والآداب واحداً من أعمدة الضبط القانوني للسلوك بمعنى أن حماية الأسرة والحياء والهدوء في المجتمع تُحدد بقواعد يضعها القانون وهذه الحماية لم تعد تقتصر على الشارع والتلفزيون فقط بل امتدت للإنترنت عبر قانون جرائم تقنية المعلومات الذي يُعاقب على نشر أي محتوى الكتروني يضر بقيم الأسرة أو يدعوا للفسق ليؤكد أن القضاء الرقمي ليس خارج النظام العام بل صار جزء أصيلاً منه.
لكن ما تكشفه وقائع فرح (كروان مشاكل) أن هناك نظام آخر يتشكّل بالتوازي وهو (النظام العام الرقمي) لا يكتبه المشرع بل تكتبه الخوارزميات وسلوك المستخدمين في هذا النظام ومضمونه أن ما يكافأ هو ما يثير أي أن الفيديو والكلام الذي يثير الناس أكثر (صدمة – ضحك – استفزاز) هل الذي يحصل على مشاهدات أعلى فيظهره التطبيق لعدد أكثر من الناس.
أي أن عيار النجاح ليس جودة الفكرة أو احترام القيم بل قدرة المحتوى على شد الانتباه واثارة ردة فعل قوية، وبهذا الفعل الذي يبدو في عين القانون اعتداء على النظام العام قد يكون في عين المنصة (محتوى عالي الأداء) وفي عين الجمهور فرحة تستحق إعادة النشر وهكذا ينشأ توتر خفي بين معيارين معيار قانوني مكتوب يُجرّم ومعيار رقمي عملي يُكافئ فتجد السلوك نفسه كما هو في الفرح يدان في قاعة المحكمة ويُكافئ على شاشة الهاتف بالمشاهدة.
وبهذا المعنى يتحول أي تريند صاخب إلى اختبار حقيقي لميزان القوى بين القانون ومنطق المنصة إذا ظل المحتوى الذي يخرق القيم والنظام العامة هو الأكثر انتشاراً ومكافأة (بالمشاهدة) فيزداد الضغط على المنظومة القانونية والأخلاقية.
ومن دون إعادة ضبط لهذه المعادلة سيبقى الفعل الواحد ممزقاً بين وضعين متناقضين جريمة على الأرض ونجاح على شاشة الهاتف.
























