محمود نفادي يكتب:الفساد الانتخابي: الخطر الذي يهدم الشرعية
لم يعد قرار إلغاء نتائج 45 دائرة انتخابية من أصل 70 مجرد مؤشر عابر على وجود تجاوزات، بل أصبح شاهداً على أزمة سياسية عميقة تهدد جوهر العملية الديمقراطية. فحين يتم إبطال أكثر من ثلثي نتائج الانتخابات، لا يمكن الحديث عن “تصحيح مسار” أو “قوة رقابة”، بل عن انهيار كامل للمنظومة التي يفترض بها حماية صوت المواطن.
أرقام تكشف حجم الكارثة
إلغاء نتائج 26 دائرة بعد صدور أحكام قضائية بثبوت التلاعب، وفشل الهيئة العليا للانتخابات في ضبط مخالفات جوهرية داخل 19 دائرة أخرى، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره فضيحة منظمة شاركت فيها أطراف عدة، سواء بالفعل أو بالصمت أو بالإهمال. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل دلائل قاطعة على أن ما جرى لم يكن انتخابات حقيقية بل عملية معطوبة من لحظتها الأولى.
سقوط الثقة قبل سقوط النتائج
الفساد الانتخابي هو أخطر أشكال الفساد لأنه يهدم الشرعية من جذورها. قد يمر فساد مالي أو إداري دون أن يشعر به المواطن مباشرة، لكن التلاعب بإرادته السياسية يولد صدمة اجتماعية وانعدام ثقة في أي محاولة إصلاح لاحقة.
وحين يدرك الناخب أن صوته يمكن التلاعب به أو إلغاؤه أو تحويله، تصبح العملية الديمقراطية كلها مجرد ديكور سياسي بلا قيمة.
إعادة التصويت ليست حلاً كافيًا
رغم أن إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة خطوة واجبة، إلا أنها لا تعالج المشكلة الأساسية:
من المسؤول عن السماح لهذا الكم من التجاوزات أن يحدث؟
من الذي استفاد؟
ومن الذي يجب أن يخضع للمحاسبة قانونيًا وسياسيًا؟
إعادة الاقتراع قد تُنتج نتائج جديدة، لكن لن تُعيد الثقة ما لم يصاحبها مسار واضح يكشف الحقيقة ويحاكم كل من عبث بالعملية الانتخابية.
قضية رأي عام وليست ملفًا إداريًا
إن ملف الدوائر الـ45 لا يجب أن يُغلق بقرار إداري أو بيان رسمي، بل يجب أن يتحول إلى قضية رأي عام كبرى تكشف تفاصيل ما حدث، وتحدد المسؤوليات بوضوح، وتؤسس لإصلاح شامل يضمن عدم تكرار هذه الكارثة.
فالشرعية لا تُبنى بالشعارات، بل بثقة المواطن. وهذه الثقة لن تعود ما لم تتم مواجهة هذا الفساد بوضوح وشجاعة، وبإرادة حقيقية لتطهير العملية الانتخابية من جذورها.























