بوابة الدولة
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 09:37 مـ 19 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
محافظ دمياط ومدير صندوق مكافحة الإدمان يشهدان تخريج 90 متعافيًا بمركز العزيمة ضبط المتهم بالنصب على المواطنين بزعم استثمار أموالهم في التجارة محافظ القاهرة يكرم اوائل الثانويه العامه والدبلومات الفنية بأنواعها وثانوية المكفوفين لجنة الملابس الجاهزة بغرفة القاهرة تعلن تخفيضات الأوكازيون الصيفي.. تبدأ من 10 وتتجاوز الـ 40% محمد كريم يهنئ عمرو دياب على ألبومه: أحد أفضل ألبومات صيف 2026 متحدث الإسكان: طرح وحدات الإيجار بـ1500 جنيه و15 ألف وحدة جاهزة للتسليم مجلس وزراء الكويت يعرب عن تضامنه مع مصر واستنكاره للهجوم بمُسيرة على ميناء دمياط العدل تشدد الإجراءات الأمنية داخل المحاكم على خلفية وقائع انتحال صفة قاض وزير الصحة يتابع تنفيذ المدينتين الطبيتين بالعاصمة الجديدة والعلمين إحالة سارة خليفة و12 آخرين إلى المفتى فى قضية المخدرات الكبرى فيفا يحسم الجدل حول إنفانتينو وترامب.. وينفي مزاعم طلب الدعم السياسي وزير الاستثمار والتجارة: ارتفاع معامل الرقابة على الصادرات لـ322 معملا فى 2026

سامح لاشين يكتب: الصراع الذي أسقط مصر في قبضة الاحتلال البريطاني

الكاتب الصحفى  سامح لاشين
الكاتب الصحفى سامح لاشين

ظلت بريطانيا تترقب الفرصة المواتية لاحتلال مصر منذ خروج الفرنسيين عام 1801. فشلت محاولتها الأولى في حملة فريزر عام 1807، لكنها لم تتخلَّ عن حلمها. وبقيت طوال القرن التاسع عشر تترقب اللحظة التي تسمح لها بالسيطرة على مفاتيح الشرق، حتى جاءت هذه اللحظة على طبق من فضة عام 1882.

والسؤال: ما هي الظروف التي استغلتها بريطانيا بدهاء، لتتمكن من احتلال مصر بمنتهى السهولة؟

تبدأ خيوط القصة في عهد الخديوي إسماعيل، الذي أغرق مصر في الاستدانة من البيوت المالية الأوروبية لتمويل مشاريعه الطموحة، وعلى رأسها شق قناة السويس. ومع تراكم الديون وعجز مصر عن دفع فوائدها وإفلاسها ، فُرضت عليها رقابة مالية مزدوجة فرنسية - إنجليزية، أدت إلى سيطرة شبه كاملة على موارد الدولة. عاش الشعب المصري تحت وطأة الفقر والضرائب، فيما استمرت قصور الخديوي ومشاريعه الباذخة، حتى انتهى الأمر بعزل إسماعيل في 1879.

جاء بعده الخديوي توفيق، الذي ورث وضعًا اقتصاديًا منهكًا ونفوذًا أجنبيًا طاغيًا. حاول توفيق في البداية التخلص من الوصاية الأجنبية والانفراد بالسلطة، لكنه اصطدم بحركة دستورية قادها شريف باشا، طالبت بإقامة حياة نيابية تحدّ من سلطة الخديوي وتقلّص نفوذ الأوروبيين. اعتبر توفيق هذه المطالب تهديدًا لعرشه، فيما رأت القوى الأجنبية فيها تهديدًا لمصالحها الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه كان الجيش المصري يغلي. فالضباط المصريون يعانون تمييزًا عنصريًا لصالح الضباط الشراكسة، ما دفع أحمد عرابي ورفاقه للتحرك والمطالبة بالمساواة وحقوق الضباط المصريين. يروي بعض المؤرخين أن عرابي كان على صلة بالخديوي توفيق (إذ كانت زوجته أخت زوجة توفيق في الرضاعة)، وأن توفيق حاول استغلال حركة الجيش لمصلحته قبل أن تخرج عن سيطرته.

بلغ التوتر ذروته في واقعة قصر عابدين (9 سبتمبر 1881)، حين واجه عرابي الخديوي مطالبًا بحقوق الجيش والشعب. ورغم شهرة العبارة المنسوبة له “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، إلا أن بعض المؤرخين يشككون في صحة نسبتها إليه، ويؤكدون أن المندوب البريطاني هو من لعب دورًا حاسمًا في تلك المواجهة وهدد عرابي.

نشأ إذن صراع ثلاثي الأبعاد:
• الخديوي توفيق مدعومًا بالنفوذ الأجنبي

•الحركة الدستورية ( كبار الملاك ) بقيادة شريف باشا التي ترفض سياسة النفوذ الأجنبي الذي يهدد مصالحها وثروتها والخديوي الذي يريد الانفراد بالسلطة ،و طالبت عرابي بالابتعاد عن السياسة ولكنه رفض وواجه شريف عداء مزدوج من الخديوي والنفوذ الأجنبي وحركة الجيش

• حركة الجيش بقيادة عرابي.

سرعان ما أقصي شريف باشا من رئاسة الوزراء، وتولى محمود سامي البارودي الوزارة، وأصبح عرابي وزيرًا للحربية، فتعاظم نفوذ الجيش. عندها وجد توفيق نفسه أقرب إلى حماية المصالح البريطانية منه إلى التحالف مع عرابي، فاستدعى الأسطول البريطاني إلى الإسكندرية بحجة حماية الأجانب.

هنا وجدت بريطانيا فرصتها الذهبية. اندلعت أحداث الإسكندرية، وارتُكبت أخطاء كارثية أهمها حرق المدينة، ما وفّر ذريعة للتدخل العسكري المباشر. ثم وقعت معركة التل الكبير (13 سبتمبر 1882)، حيث هُزم الجيش المصري سريعًا بسبب غياب الإعداد الجيد، لتسقط البلاد تحت الاحتلال البريطاني لأكثر من 70 عامًا.

وتبقى لحظة سقوط عرابي مثار جدل تاريخي: فبينما تقول بعض الروايات إنه استسلم طوعًا لبريطانيا ، تؤكد روايات أخرى أنه قُبض عليه داخل خيمته مفاجَأً بفوهات البنادق موجّهة إليه.

وهكذا أسدل الستار على صراع الإرادات بين الخديوي والنخبة الدستورية والجيش، وانتهى الصراع الداخلي بتمهيد الطريق للاحتلال البريطاني. لقد سقطت مصر لا بسبب قوة بريطانيا العسكرية فحسب، بل بسبب الانقسام الداخلي والخيانة والصراع على السلطة.

تاريخ الاحتلال البريطاني لمصر ليس مجرد صفحة من الماضي، بل هو درس شديد الواقعية عن خطورة الانقسام الداخلي. فحين يتنازع القادة على السلطة، ويغيب المشروع الوطني الجامع، تتسلل القوى الأجنبية وتفرض هيمنتها بسهولة. واليوم، بينما تواجه منطقتنا أزمات مشابهة وصراعات على السلطة، يظل سؤال التاريخ حاضرًا: هل نتعلم من دروس الماضي أم نعيد إنتاج الظروف ذاتها التي فتحت أبواب مصر للاحتلال قبل أكثر من قرن؟

كاتب المقال الكاتب الصحفى سامح لاشين مدير تحرير جريدة الاهرام