الخميس 22 فبراير 2024 05:54 صـ 12 شعبان 1445 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى عبد الناصر محمد يكتب .. تفاصيل أول عملية إغتيال فى تاريخ مصر المعاصر

الكاتب الصحفى عبد الناصر محمد
الكاتب الصحفى عبد الناصر محمد

لأول مرة .. المفتى يرفض التصديق على حكم الإعدام .. وقراصنة الإحتلال حاولوا اشعال فتنة طائفية .. إبراهيم الوردانى " غزال البر " يتحول إلى بطل قومى بقرار شعبى


" قولو لعين الشمس ما تحماشى لاحسن غزال البر صابح ماشى "
بهذه الكلمات التى حجزت لنفسها مكانا مرموقا بين مؤلفات التراث الشعبى ودع جماهير الوطن بطل قومى من خيرة الشباب .. رفض الإحتلال الإنجليزي الغاشم ورفض خيانة أعوان الإحتلال ودفع حياته ثمنا لمواجهة الإستبداد والفساد والهيمنة على العرض قبل الأرض ليضع بصمة مضيئة فى تاريخ مصر وليرسى قواعد المقاومة والفداء والتضحية بكل غال فى سبيل حرية الوطن وإستقلاله.
البطل هو شاب مصرى أصيل يبلغ من العمر ٢٤ عاما إسمه إبراهيم ناصيف الوردانى ينتمى لعائلة من الأعيان ميسورة الحال توفى والده وهو فى سن مبكرة وتولى تربيته أحد أقاربه وهو الدكتور ظيفل باشا حسن .. وقد عانى الشاب وهو فى مقتبل العمر حين كان فى مرحلة " البكالوريا " المعروفة حاليا بإسم الثانوية العامة من بطش الإحتلال السافر مثل باقى أفراد جيله وإمتلأ قلبه بشحنة غضب من هؤلاء الطغاة ومن كل أعوانهم ممن يساعدوهم على فرض نفوذهم على البلاد والعباد والذين سهلوا لهم عملية الإستيلاء على مقدرات الوطن.
سجل الوردانى إسمه بأحرف من ذهب فى دفتر أحوال الوطن بعد قيامه بتنفيذ أول عملية إغتيال فى تاريخ مصر الحديث ضد أحد رموز العمالة للإنجليز وهو بطرس باشا غالى رئيس وزراء مصر عام ١٩١٠.. تلك هى الحكاية بإختصار أما التفاصيل التى تحملها السطور القادمة فهى مثيرة للغاية .
*البداية

ولد إبراهيم ناصيف الوردانى عام ١٨٨٦ ومنذ صغره كان يتمتع بذكاء شديد وكان عصبى المزاج وحماسى إلى درجة كبيرة وكان دائما ما ينشغل بقضايا وطنه و فى الوقت نفسه كان متفوق دراسيا بشكل ملفت للأنظار... فى عام ١٩٠٤ تأثر الوردانى وهو فى المدرسة الثانوية بأفكار بعض مدرسيه والذين كانوا يعتنقون فكر الزعيم مصطفى باشا كامل وأصبح الوردانى من أشد المتأثرين بالزعيم الكبير وحرص على قراءة مقالاته وأصبح منذ ذلك الوقت مهموم بقضايا الوطن وحرص على المتابعة الجيدة للحركة الوطنية .
حصل الوردانى عام ١٩٠٦ على شهادة البكالوريا بتفوق فقرر الدكتور ظيفل باشا حسن أن يرسله للخارج لإستكمال تعليمه ومن ثم للحصول على الشهادة العليا فى المواد العلمية.
هجر إبراهيم ناصيف الوردانى الأهل والداروالوطن وسافر عام ١٩٠٦ إلى سويسرا و فى نهاية هذا العام تقابل مع المناضل الكبير الزعيم محمد فريد فى مدينة جنيف السويسرية حيث كان الزعيم أمين جمعية الطلبة المصريين بجنيف وهى الجمعية التى تأسست خصيصا لتقديم يد المساعدة للطلبة المصريين بجنيف وقد ناقش فريد جميع الطلاب من خلال لقاءات متعددة عن الوضع فى مصر تلك الدولة العظيمة التى يذوق أهلها الأمرين على يد الإحتلال الغاشم وتحدث عن دور بعض عملاء الإحتلال من أمثال بطرس باشا نيروز غالى الذى وقع على اتفاقية الحكم الثنائى على السودان عام ١٨٩٩ نيابة عن الحكومة المصرية بإعتباره وزير خارجيتها واللورد كرومر المندوب السامى البريطانى عن بريطانيا والتى بموجبها أصبح للحكومة الإنجليزية حق الإشتراك فى إدارة شئون الحكم فى السودان ورفع العلم الإنجليزى إلى جانب العلم المصرى فى جميع الأرجاء وتعيين حاكم عام فى السودان بناء على طلب الحكومة البريطانية.
زاد حنق الطلبة وبخاصة الوردانى على بطرس غالى حين علموا أن الباشا " غالى " الذى تولى شئون وزارة الحقانية فى تلك الفترة منتصف عام ١٩٠٦ كان رئيسا للمحكمة التى أصدرت أحكاما ظالمة ضد أبناء قرية دنشواى إحدى قرى محافظة المنوفية والتى شهدت جريمة بشعة إرتكبها أباطرة الإحتلال ضد الأهالى وكانت الأحكام المتعسفة تتضمن إعدام ٤ أشخاص من كبار القرية وتم الإعدام شنقا أما جميع الأهالى فى واقعة لا إنسانية تكشف مدى جبروت المستعمر الإنجليزى السافر فضلا عن جلد نحو خمسون شخص آخر وحبسهم بالأشغال الشاقة المؤبدة.
تأثر الفتى الثائر بكلام الزعيم محمد فريد وتمنى أن يعود للوطن ليبدأ عمليات المقاومة ضد الإحتلال وأعوانه وبدأت فكرة إغتيال بعض رموز العملة والخيانة تراوده حيث كان يرى أن الخائن يستحق القتل قبل المغتصب حتى يكون عبرة لكل من تسول له نفسه التفريط فى حقوق وطنه أو يسهل للأعداء عملية الإستيلاء على مقدرات هذا الوطن .
*العودة للوطن


أنهى الوردانى دراسته فى سويسرا عام ١٩٠٨ _ وهو نفس العام الذى تولى فيه بطرس باشا غالى رئاسة وزراء مصر _ وأضطر للسفر إلى إنجلترا فى نفس العام سعيا للحصول على شهادة الكيمياء وهو ما حدث بالفعل وحصل الوردانى على تلك الشهادة وعاد لمصر أوائل عام ١٩٠٩ وعمل صيدلانيا وفتح له قريبه د. ظيفل باشا حسن صيدلية فى شارع عابدين وكان للوردانى دور إجتماعى حيث كان حريصا على توفير الدواء لغير القادرين بالمجان .
عاد الشاب لأحضان وطنه فى فترة عصيبة مليئة بالأحداث السياسية وبدأ الإتصال بكل قنوات المقاومة للإحتلال وأعوانه وإنضم إلى الحزب الوطنى وخلال تلك الفترة فجر محمد فريد زعيم الحزب الوطنى مفاجأة مدوية حين حصل على مشروع حكومى جديد وقعه بطرس باشا غالى رئيس الوزراء يسمح بمد قناة السويس لنحو أربعون سنة جديدة لتنتهى عام ٢٠٠٨ وذلك فى إطار مخطط مشبوه وضعت الحكومة البريطانية السيناريو اللازم له وسلمته إلى اللورد كرومر المندوب السامى فى مصر دون أى مناقشة مع الحكومة المصرية والأدهى أن اللورد سلمه لرئيس الوزراء بطرس باشا غالى مع إبلاغه بعدم عرضه على أحد أو إعلانه للرأى العام قبل أن يقوم جميع الوزراء بالتوقيع على هذه الاتفاقية التى بمقتضاها يتم مد إمتياز قناة السويس أربعون سنة إضافية وهو الفرمان الذى نفذه بطرس باشا غالى على الفور حيث أجبر الوزراء على التوقيع على الإتفاقية دون مناقشة.
فكرة وتنفيذ
بدأت فكرة الإغتيال تدخل مرحلة الجد فى ذهن الفتى الثائر فى ظل الخضوع التام من حكومة بطرس باشا غالى للإنجليز ولذلك قام الوردانى بتأسيس جمعية سرية أسماها " جمعية التضامن الأخوى " ومارس مهنة الصحافة ككاتب مقال فى صحيفتى اللواء والمؤيد ثم إنضم لجماعة سرية أخرى تطلق على نفسها لقب " اليد السوداء " والتى كانت تشترط على كل من ينضم إليها أن يكتب وصيته أولا كشرط أساسى للإنضمام .
فى بداية عام ١٩١٠ إزدادت درجة حرارة الحالة السياسية فى مصر خاصة بعد نجح الزعيم محمد فريد فى كشف كارثة إتفاقية قناة السويس الجديدة وأصبحت مصر فى هذه الفترة فوق صفيح ساخن وظهرت دعوات بضرورة عقد جمعية عمومية من قوى الشعب لبحث أمر تلك الإتفاقية وهذا يعنى حشد الأمة المصرية ضد هذا المشروع ووافق للخديوى عباس حلمى الثانى وتم تحديد يوم ٢٠ فبراير ١٩١٠ لإنعقاد الجمعية العمومية.
تفاصيل الإغتيال
حضر الشاب الثائر جلسة الجمعية بإعتباره عضوا بالحزب الوطنى وهو متأهبا للقيام بعملية مروعة تنهى كل الجدل عازما على تخليص الأمة من هذه الأزمة خاصة فى حالة إصرار الحكومة على التعنت وهو ما حدث بالفعل فقفزت إلى ذهن الوردانى فكرة التنفيذ .. بمجرد إنتهاء جلسة الجمعية العمومية وفى تمام الساعة الواحدة ظهر هذا اليوم العشرون من فبراير ١٩١٠ " الموعد التاريخى لأول عملية إغتيال سياسى فى مصر " كانت سيارة رئيس الوزراء فى إنتظاره فى حديقة وزارة الخارجية وكان بصحبته عدد من المسئولين وحين كان يستعد لركوب السيارة تقدم الوردانى نحوه مرتديا ملابسه الأنيقة المعبرة عن ثراء حاله متظاهرا بأنه يرغب فى تقديم عريضة لرئيس الوزراء وهى الحيلة التى خدعت بطرس باشا غالى وفى هذه الأثناء أخرج الشاب الوردانى مسدسا من بين طيات ملابسه وأطلق الرصاص نحو بطرس باشا غالى فأصابه بخمسة رصاصات إستقرت فى رقبته وكتفه وذراعه ووقف فى مكانه منتظرا مصيره ولم يحاول الهرب إلى أن تم القبض عليه.
أما رئيس الوزراء فقد نجح الطبيب سعد الخادم من إخراج بعض الرصاصات فى إسعاف مبدئى ثم تم نقل رئيس الوزراء الجريح إلى مستشفى الدكتور ميلتون بباب اللوق وهناك زاره للخديوى عباس حلمى الثانى وقبله فى وجهه وهو يبكى وإنتبه بطرس باشا غالى وشكر الخديوى بصوت خافت على شعوره نحوه .. وقرر الأطباء إجراء عملية جراحية لرئيس الوزراء وبعدها إستقرت الحالة ثم سرعان ما إرتفعت درجة حرارة المصاب وسائت حالته وبالفعل فاضت روحه فى صباح اليوم التالى لعملية الإغتيال .. وسرعان ما إنتشر خبر إغتيال العميل الخائن على يد الشاب الثائر الذى أبدى جموع الشعب تعاطفا معه وإعتبروه بطل قومى وأطلقوا عليه لقب " غزال البر " .

تشييع الجنازة
شيعت جنازة بطرس باشا غالى رئيس الوزراء فى اليوم التالى لعملية الإغتيال وأصبحت الحكاية هى الحديث الدائر بين الأهالى فى كل مكان ليس فى القاهرة فقط التى شهدت واقعة الإغتيال وإنما فى كل ربوع الوطن خاصة وأنها الأولى من نوعها ولم يسجل التاريخ الحديث مثل هذا العمل البطولى .. وأطلق الأهالى لقب " غزال البر " على المناضل الشاب إبراهيم ناصيف الوردانى تبجيلا وتقديرا له ولدوره الوطنى العظيم ذلك الشاب الذى ضحى بحياته فى سبيل مواجهة الخونة المتآمرين على البلد الذين يتعاونون مع قوات الإحتلال ويسهلون لهم السيطرة والهيمنة على الوطن شعبا وأرضا .. شاب زهد الحياة فى سبيل غرس قيم الفداء والنضال فى قلوب كل فئات الشعب نجح فى وقف تنفيذ مخططات مشبوهة على رأسها إتفاقية مد إمتياز قناة السويس أربعون سنة إضافية.
تآمر الخونة
فى هذه الأثناء سيطرت حالة الرعب والفزع على أعوان الإنجليز ومحاسيبهم فالكل يخشى أن ينال نفس مصير بطرس باشا غالى حتى أباطرة الإحتلال إنتابتهم حالة من الهلع خوفا من إستهدافهم على أيدى شباب ورجال المقاومة فى أعمال فدائية مماثلة ولذلك لجأ الإنجليز إلى حيلة حقيرة تتناسب تماما مع شخصية الطغاة والمستعمرين حيث حاولوا الترويج لفكرة أن عملية الإغتيال تمت بسبب التشدد والتعصب الإسلامى تجاه الأقباط وأن الشاب المسلم المتشدد إبراهيم الوردانى قتل رئيس الوزراء لإنه قبطى وذلك حتى لا يتحول الوردانى إلى بطل قومى يسعى إلى محاكاته العديد من شباب الوطن الغاضب من الإحتلال وأعوانه.
قام الإنجليز وأعوانهم بالدفع بمجموعة كبيرة من أتباعهم وعملائهم والموالين لهم وعدد من المأجورين على رأسهم عناصر معروفة بالتشدد الدينى _ لاحظ إستخدام هذه العناصر المتشددة ممن يرفعون رايات الإسلام فى تنفيذ مخططات الإحتلال على مر الزمن _ وجابوا هؤلاء المأجورين شوارع القاهرة مرددين هتاف " تسلم إيدين الوردانى .. قتل بطرس النصرانى " حتى يرسخ فى أذهان الجميع أن الجريمة طائفية وليست إعتراضا على الحكومة العميلة للإحتلال.
الرد الحاسم
ولكن دهاء الشعب المصرى فى هذه الفترة فاق حد التصور فقد فطنت جموع الشعب لهذه المحاولة الخسيسة والتى كادت تؤدى إلى الدخول فى آتون صراعات دموية طائفية بين الأقباط والمسلمين ولكن توحدت الصفوف الوطنية ووضع المسيحى يده فى يد شقيقه المسلم وخرج الجميع فى مواكب ومسيرات جابت قاهرة المعز طولها وعرضها وإخترقت الشوارع والحوارى والأذقة ودارت داخل الميادين يردون بهتافات تنفى ما حاول الخونة المأجورين توصيله إلى أذهان الجماهير ورفعوا صور الوردانى ولافتات تندد بالاحتلال وأعوانه ورددوا هتاف ردا على هتاف الخونة حيث قالوا " تسلم إيدين الوردانى .. قتل بطرس البريطانى " فى إشارة واضحة بأن الشعب يدرك حقيقة الأمر وأن الإغتيال لرئيس الوزراء تم لأنه أحد أكبر أعوان المحتل الغاشم .. وهذه المسيرات نجحت فى تفويت الفرصة على قراصنة الإستعمار وكشفت زيف أكاذيبهم.
المحاكمة
.. وبدأت رحلة التحقيقات مع الشاب الوردانى تلك التحقيقات التى أجراها معه عدد من الشخصيات المرموقة فى المجتمع آنذاك مثل فتحى باشا زغلول وكيل وزارة الحقانية وهو شقيق سعد باشا زغلول بالإضافة إلى عبدالخالق باشا ثروت النائب العمومى.
حاول فريق النيابة توريط عدد آخر من الشباب فى القضية من أصدقاء الوردانى وزملاء كفاحه فى التنظيمات والجمعيات الوطنية السرية وبالفعل تم إلقاء القبض على الكثير منهم مع سماع أقوال الزعيم محمد فريد بإعتباره رئيس الحزب الوطنى الذى ينتمى " غزال البر " غير أن الوردانى الشهم المتسم بكل صفات الوطنية والفداء والتضحية قطع الطريق على جهات التحقيق وكتب بخط يده إعترافا يوم ٣ مارس من نفس العام بأنه المخطط والمنفذ الوحيد لعملية إغتيال بطرس باشا غالى لأنه خائن لوطنه وأنه لا يوجد أى شخص على علم بهذه العملية قبل تنفيذها فلم يجد فريق النيابة مبرر لمحاكمة أى فرد آخر سوى الشاب إبراهيم ناصيف الوردانى.
وقد تطوع عدد كبير من كبار المحامين للدفاع عن البطل الثائر من أمثال أحمد بك لطفى السيد ،وعبدالعزيز باشا فهمى، ومحمود بك أبو النصر وجميعهم من رموز العدالة فى ذلك الوقت ثم أصبحوا رموزا لثورة ١٩ فيما بعد وكانت المفاجأة إنضمام المحامى إبراهيم الهلباوى الأشهر فى ذلك الوقت إلى هيئة الدفاع عن الوردانى وهذا المحامى يعرف بإسم " جلاد دنشواى " لأنه المدافع عن الإنجليز فى قضية دنشواى الشهيرة وتسبب فى الحكم بإعدام ٤ أبرياء وجلد أكثر من خمسون فلاحا من أهل دنشواى وقد تم تنفيذ الأحكام أمام أهالى القرية.
وخلال مداولات وجلسات عديدة فى محكمة جنايات مصر التى كان يرأسها رجل إنجليزى يدعى " دولبر ويجلى " قال عبدالخالق باشا ثروت أن العملية سياسية وليست مجرد جريمة قتل وطالب بإعدام الوردانى _ والغريب أن هذا الرجل تم تكريمه وأطلق إسمه على أحد أشهر شوارع القاهرة _ فيما أكد فريق الدفاع أن رصاصات الوردانى لم تقتل بطرس باشا غالى وإنما قتله الخطأ المهنى حيث أجريت له جراحة خاطئة مات على أثرها ولذلك تم تشكيل لجنة طبية تضم طبيبان إنجليزيان وثالث مصرى يدعى د. بهجت وهبة والتى قررت فى جلسة ١٢ مايو ١٩١٠ عدم القدرة على تحديد السبب الرئيسى للوفاة فالرصاصات قاتلة والخطأ المهنى أيضا موجود ولكن المحكمة إستندت إلى الخطاب الذى وقعه الوردانى بخط يده ولإعترافاته المستمرة بأنه القاتل وتم تحديد جلسة ١٨ مايو ١٩١٠ للنطق بالحكم.
وفى اليوم الموعود والمحدد له سلفا إعتلى منصة المحكمة رجل أحمر الوجه إنجليزا فردا من أفراد عصابة الإحتلال الغاشم وهو كما سبق أن ذكرنا يدعى دولبر ويجلى بإعتباره رئيس محكمة جنايات مصر والذى أصدر حكما بإحالة أوراق الشاب إبراهيم أفندى ناصيف الوردانى إلى فضيلة مفتى الديار المصرية لإعدام المتهم شنقا.
المفاجأة
وأحيلت أوراق الشاب الثائر إبراهيم ناصيف الوردانى إلى مفتى الديار المصرية الشيخ بكرى الصدفى والذى فجر مفاجأة تاريخية لم ولن تحدث مطلقا وهى أن الشيخ الصدفى رفض المصادقة على حكم الإعدام متعللا بأن الجانى مختل عقليا ويجب عرضه على لجنةطبية للتأكد من سلامة قواه العقلية فى محاولة لإنقاذه من حبل المنشقة إلا أن المحكمة لم تأخذ برأى المفتى الذى لم يصدق على حكم الإعدام وكانت هى المرة الأولى والأخيرة حتى الآن التى يعترض فيها مفتى الديار على حكم أصدرته محكمة الجنايات.
الإعدام

ما أن صدر حكم الإعدام على غزال البر فى تلك الأيام التى كانت البلاد تشهد فيما موجة شديدة الحرارة ولد من رحم التراث الشعبى الجميل جملة صارت تتردد على ألسنة الجميع من محبى وعشاق الشاب المناضل " غزال البر " وهذه الجملة هى " قولو لعين الشمس ما تحماشى لاحسن غزال البر صابح ماشى " وشاء القدر أن تتحول تلك الكلمات الخالدة إلى أغنية للمؤلف الغنائى مجدى نجيب ولحنها بليغ حمدى وأصبحت من أجمل أغانى الفنانة الراقية شادية رحمها الله .. إمتزجت مشاعر الجماهير ما بين فرحة أن ينال الشاب المناضل إبراهيم الوردانى الشهادة ذلك الشاب الذى أصبح فى عيون الشعب بطلا قوميا علقت صوره فى كل الأماكن العامة والخاصة وما بين حزن دفين على فراق البطل " غزال البر ".
اليوم .. ٢٨ يونيو ١٩١٠ عقارب الساعة تشير نحو الخامسة و٤٥ دقيقة صباحا عساكر أشاوس يقتادون الشاب الثائر نحو غرفة الإعدام .. مأمور السجن يقرأ منطوق حكم الإعدام .. الفتى المناضل يقف بكل ثبات وجأش وقوة وعظمة وصلابة الفدائيين يدرك أن هذا هو مصير كل من يدافع عن الوطن فى ظل جبروت وقسوة المحتل الغاشم ينطق الشهادتين ثم يقول " إن الحرية والإستقلال من آيات الله " ثم ينفذ حكم الإعدام ويسدل الستار على قصة مناضل مصرى عظيم كان أحد أسباب قوة وإستبسال جيل كامل أصبح متأهبا الصورة ضد الإحتلال السافر فكانت ثورة ١٩١٩ .
لم يكتف الإحتلال وأعوانه الخونة بقتل المناضل وإنما أرادوا أن تختفى صوره من الوجود فأصدروا قرارا بتجريم تعليق صورته فى أى مكان وهو القرار الذى ظل معمولا به حتى قامت ثورة يوليو المجيدة علما بأن صورة الوردانى ظلت خالدة فى عين وقلب كل وطنى عاشق للوطن رافض للإستعمار يحلم بيوم تتحرر فيه مصر من عبودية الإحتلال .