حامد عبد الدايم: الآفات تهدد بفقدان 90% من المحاصيل.. والمكافحة المبكرة تحمي الإنتاج الزراعي
تمثل مكافحة الآفات الزراعية أحد أهم محاور الحفاظ على الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة أن الإصابة بالآفات الحشرية والأكاروسية والأمراض والحشائش قد تتسبب في خسائر كبيرة بالمحاصيل، تصل في بعض الحالات إلى 60 و70 و80 وحتى 90%.
ولا تقتصر مكافحة الآفات على استخدام المبيدات، وإنما تعتمد على منظومة متكاملة تبدأ باتباع التوصيات الفنية منذ إعداد الأرض واختيار الصنف المناسب ومرورًا بالري والتسميد السليمين، وصولًا إلى المكافحة الحيوية والبدائل الأقل سمية، على أن يكون استخدام المبيدات هو الخيار الأخير وعند الضرورة.
وفي هذا الحوار، يكشف الدكتور حامد عبد الدايم، المستشار الإعلامي لرئيس مركز البحوث الزراعية، عن جهود المركز في مواجهة الآفات الحشرية والأكاروسية، وأهمية الاكتشاف المبكر للإصابة، ودور الأعداء الحيوية والتكنولوجيا الحديثة، فضلًا عن أبرز النصائح التي يجب أن يلتزم بها المزارعون لحماية محاصيلهم وزيادة إنتاجية الفدان.
لماذا تمثل مكافحة الآفات أهمية كبيرة بالنسبة للإنتاج الزراعي؟
مكافحة الآفات لا تهدف إلى زيادة إنتاجية الفدان بصورة مباشرة، وإنما إلى الحفاظ على الإنتاجية المثلى للفدان، لأن إصابة المحاصيل المختلفة بالآفات تؤدي إلى نقص كبير في الإنتاجية، فالآفات الحشرية والأكاروسية، مثلها مثل الأمراض والحشائش، يمكن أن تسبب خسائر كبيرة في المحاصيل قد تصل إلى 60 و70 و80 وحتى 90%، ولذلك يجب التدخل لمكافحتها.
وما أبرز الأضرار التي تسببها الآفات الحشرية للمحاصيل؟
قد يكون الضرر مباشرًا أو غير مباشر، فالضرر المباشر يحدث عندما تتغذى الحشرات على النبات أو تمتص العصارة، ما يؤدي إلى ضعف النبات وذبوله أو موته وانخفاض إنتاجيته، أما الضرر غير المباشر فيتمثل في قيام بعض الحشرات بنقل الأمراض الفيروسية، وهي من أخطر الأمراض النباتية، لأنه في حالة إصابة النبات بأحد الأمراض الفيروسية لا توجد له وسائل علاج مباشرة، وقد يكون التخلص من النباتات المصابة هو الحل.
هل أصبحت بعض الحشرات أكثر خطورة نتيجة التغيرات التي طرأت على البيئة الزراعية؟
بالفعل، بعض الحشرات كانت موجودة في البيئة المصرية منذ سنوات، لكنها لم تكن تظهر بصورة وبائية أو تمثل آفة خطيرة تهدد المحاصيل، وكان ذلك نتيجة وجود توازن بيئي بين الآفات والحشرات النافعة التي تتغذى عليها.
لكن الاستخدام المفرط والعشوائي للمبيدات خلال السنوات السابقة أدى إلى خلل في هذا التوازن والقضاء على جزء من الأعداء الحيوية، وبالتالي ظهرت بعض الحشرات كآفات خطيرة تهدد المحاصيل، كما أن التغيرات المناخية التي نعيشها حاليًا لها دور كبير في زيادة الإصابة وانتشار بعض الآفات وظهورها بصورة أكثر خطورة.
وماذا عن دودة الحشد الخريفية؟ وكيف تعاملت الجهات البحثية معها؟
بمجرد دخول دودة الحشد الخريفية إلى مصر، تم رصدها ومتابعتها، وشُكلت لجان من معهد بحوث وقاية النباتات والإدارة المركزية لمكافحة الآفات ولجنة مبيدات الآفات الزراعية لمتابعة الآفة ووضع خطط لمكافحتها.
و نجحنا في التعامل معها ورصد خطورتها، خاصة أن هذه الآفة تتميز بسرعة انتشارها، ويعد محصول الذرة من أهم عوائلها، بالإضافة إلى وجود عوائل أخرى بدأت الآفة في الانتشار عليها.
هل تعني مكافحة الآفات استخدام المبيدات فقط؟
بالتأكيد لا، المكافحة لا تعني استخدام المبيدات فقط، بل تبدأ باستخدام الأعداء الحيوية وبدائل المبيدات والمكافحة الحيوية، ويأتي استخدام المبيدات كخيار أخير عند الضرورة، لأننا نسعى إلى تقليل استخدام المبيدات الحشرية والكيماوية قدر الإمكان، نظرًا لتأثيراتها على البيئة وعلى عناصرها المختلفة، فضلًا عن مخاطر الاستخدام غير السليم لها.
ما أهم النصائح التي توجهونها للمزارعين للحد من الإصابة بالآفات؟
القضية ليست مكافحة الآفات فقط، وإنما تبدأ باتباع جميع التوصيات الفنية الخاصة بالمحصول منذ بداية الزراعة فكما أن الإنسان الذي يحصل على تغذية جيدة ورعاية سليمة يكون أكثر قدرة على مواجهة الأمراض، فإن النبات الذي يحصل على الرعاية المناسبة يكون قويًا وأكثر قدرة على تحمل الإصابة.
ويجب اختيار ميعاد الزراعة المناسب، والصنف الموصى به، والاهتمام بالمعاملات الزراعية المختلفة، خاصة الري والتسميد، وإذا تم اتباع هذه التوصيات بصورة سليمة، فإننا نستطيع الحصول على نبات قوي ونقلل بدرجة كبيرة من فرص الإصابة واستخدام المبيدات.
وهل يؤثر الإفراط في الري أو التسميد على إصابة المحاصيل بالآفات؟
بالتأكيد، فالعطش قد يسبب مشكلات للنبات، وكذلك الإفراط في الري أو التسميد، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المزارعين زيادة استخدام الأسمدة، خاصة الأسمدة الآزوتية، عن المعدلات المقررة للمحصول، وهذا قد يؤدي إلى زيادة الإصابة ببعض الحشرات، خاصة الحشرات الثاقبة الماصة للعصارة النباتية.
لذلك أنصح المزارعين بالالتزام بالتوصيات الفنية التي تصدرها وزارة الزراعة ومركز البحوث الزراعية ومعاهده المختلفة.
وإذا اضطر المزارع إلى استخدام المبيدات.. فما الضوابط التي يجب الالتزام بها؟
أولًا يجب أن يكون استخدام المبيد في أضيق نطاق ممكن، وفي المنطقة المصابة فقط، وليس رش المحصول بالكامل دون داعٍ، إلا إذا كانت الإصابة تشمل المساحة كلها، وذلك للحفاظ على الأعداء الحيوية.
كما يجب استخدام المبيد الموصى به للآفة الموجودة على المحصول المحدد، والالتزام بالجرعة المدونة في التوصيات، فلا يجوز زيادة أو تقليل الجرعة عن المعدل الموصى به.
كذلك يجب تجنب الرش في أوقات الظهيرة ودرجات الحرارة المرتفعة، ويفضل أن يكون الرش في الصباح الباكر أو بعد العصر، عندما تنخفض درجات الحرارة.
وماذا عن بدائل المبيدات والمكافحة الحيوية؟
لدينا بدائل عديدة للمبيدات، ومن الأفضل أن نقول «بدائل مبيدات» وليس «مبيدات آمنة»، لأنه لا يمكن القول إن أي مركب آمن بنسبة 100%، طالما أنه يستخدم لمكافحة آفة ويؤدي إلى موتها، فهناك بالضرورة درجة من السمية.
لكن توجد بدائل أقل سمية، ويتم استخلاص بعضها من مواد طبيعية ونباتات، وقد أثبتت فعاليتها، كما أن توصيات استخدامها موجودة ضمن كتب التوصيات الفنية.
كما أن الاعتماد على الأعداء الحيوية مهم للغاية، لأن كل حشرة ضارة لها في البيئة حشرات أخرى تتغذى عليها، وهو ما يمثل جزءًا من التوازن البيئي الذي يجب الحفاظ عليه.
ما دور مركز البحوث الزراعية والباحثين ووزارة الزراعة والمزارعين في مواجهة الآفات وحماية الأمن الغذائي؟
معهد بحوث وقاية النباتات يهتم بهذا الملف بشكل أساسي، وجميع أبحاثه تنصب على مكافحة الآفات الحشرية والأكاروسية في مختلف المحاصيل، وذلك بالتعاون مع المعاهد البحثية الأخرى، مثل معهد بحوث البساتين ومعهد بحوث المحاصيل.
كما يقوم مركز البحوث الزراعية بتنظيم ندوات إرشادية وحملات قومية لمختلف المحاصيل في المحافظات، بما يضمن وجود اتصال مباشر بين الباحثين والمزارعين، ويساعد على سرعة حل المشكلات والتعريف بالتوصيات الفنية الخاصة بكل محصول.
وفي معهد بحوث وقاية النباتات يوجد مكتب للتدريب والاستشارات الفنية لوقاية النباتات، يستطيع تقديم الاستشارات للمزارعين، كما يمكن الاستعانة بخبير للانتقال إلى موقع المشكلة وتشخيصها ووضع الحل المناسب، فضلًا عن تنظيم دورات تدريبية بصورة مستمرة بهدف رفع الوعي بمكافحة الآفات.
وكيف يساهم ذلك في تحقيق الأمن الغذائي؟
عندما نحافظ على الإنتاجية المثلى للفدان ونزيد إنتاجيته، فإننا نزيد الإنتاج الزراعي من نفس المساحة، وهذا يمثل أحد أهم أدوار مركز البحوث الزراعية، من خلال ما نطلق عليه "التوسع الرأسي".
فالتوسع الأفقي من خلال استصلاح أراضٍ جديدة يحتاج إلى سنوات حتى تظهر الزيادة الملحوظة في الإنتاج، بينما استنباط صنف جديد عالي الإنتاجية يمكن أن ينعكس على الإنتاج مباشرة في الموسم الذي يتم فيه زراعته.
وعلى سبيل المثال، كان إنتاج فدان القمح في الثمانينيات يدور حول 8 أو 9 أردب، بينما وصل حاليًا إلى نحو 20 و25 أردبًا للفدان، وقد تصل إنتاجية الحقول الإرشادية إلى 30 أردبًا للفدان، نتيجة استنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية وقادرة على تحمل التغيرات المناخية.
هل تعتمد مصر على التكنولوجيا الحديثة ونظم الإنذار المبكر في اكتشاف الآفات؟
استخدام التكنولوجيا الحديثة في مكافحة الآفات موجود بالفعل، خاصة في بعض المزارع الكبيرة والمشروعات الاستثمارية الزراعية، حيث يمكن استخدام أجهزة وحساسات لرصد المشكلات والتنبيه إليها، بما يسمح بتحديد مكان الإصابة والتدخل في الوقت المناسب.
لكن إلى جانب التكنولوجيا، من المهم جدًا توعية المزارع بضرورة المرور المستمر على المحصول وفحصه بصورة دورية، وعدم الاكتفاء بزيارة الأرض وقت الري أو التسميد.
وما أهمية الاكتشاف المبكر للإصابة؟
الاكتشاف المبكر أحد أهم عوامل نجاح المكافحة. يجب على المزارع متابعة محصوله باستمرار، ويفضل فحصه مرة أسبوعيًا على الأقل، ومعرفة الأماكن التي يمكن أن تظهر فيها الإصابة.
فعلى سبيل المثال، دودة الحشد الخريفية تصيب النبات منذ بداية ظهوره، وقد تكون موجودة في قلب النبات، ولذلك يجب فحص النباتات بصورة جيدة.
إذا اكتشف المزارع الإصابة في بدايتها، يمكنه مكافحتها في مساحة محدودة، أما إذا تركها حتى تنتشر في الحقل، فقد يضطر إلى رش المساحة بالكامل، وقد تكون عملية المكافحة أقل كفاءة.
وما الرسالة الأخيرة التي توجهها للمزارعين؟
رسالتي للمزارعين هي الالتزام بالتوصيات الفنية منذ بداية إعداد الأرض للزراعة وحتى اكتمال نمو النبات وجمع المحصول، والاعتماد على المتخصصين والباحثين في مواجهة أي مشكلة.
كلما كان النبات قويًا وسليمًا، وكلما اكتشفنا الإصابة مبكرًا، استطعنا تقليل استخدام المبيدات والحفاظ على الأعداء الحيوية والبيئة، وفي الوقت نفسه رفع إنتاجية الفدان، وهو ما ينعكس في النهاية على دخل المزارع والاقتصاد القومي وتحقيق الأمن الغذائي.














