في ذكرى ميلاده.. ”سيد حجاب” شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
يوافق اليوم الأربعاء الذكرى 86 لميلاد الشاعر الكبير سيد حجاب الذي ولد في مثل هذا اليوم، 23 سبتمبر، من عام 1940
وُلد الشاعر الكبير سيد حجاب بمدينة المطرية في محافظة الدقهلية، المدينة المطلة على بحيرة المنزلة، والتي تركت طبيعتها وناسها وصيادوها أثرًا عميقًا في تجربته الشعرية، ورحل حجاب في 25 يناير 2017، بعد مسيرة امتدت لعقود، ترك خلالها بصمة بارزة في شعر العامية المصرية والأغنية والدراما التلفزيونية.
- صاحب تجربة خاصة
لم يكن سيد حجاب مجرد شاعر كتب كلمات أغنيات أو مقدمات لمسلسلات، وإنما صاحب تجربة جعلت الشعر العامي جزءًا من الذاكرة اليومية للمصريين؛ فالكلمة عنده كانت قادرة على التعبير عن الإنسان البسيط، وعن الحلم والهم والحب والوجع والزمن، وفي الوقت نفسه قادرة على أن تحمل رؤية اجتماعية وفلسفية عميقة.
- البداية من عالم الصيادين
وُلد سيد حجاب في بيئة شعبية خاصة بمدينة المطرية، حيث بحيرة المنزلة والصيادون والحكايات المتوارثة.
كان والده كان أحد أهم معلميه الأوائل؛ فقد كان سيد حجاب يشاهد جلسات الشعر التي يجتمع فيها الصيادون، وكان يدون ما يسمعه ويحاول محاكاته، قبل أن يعرض على والده أول قصيدة كتبها، فيشجعه على الاستمرار.
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
وهكذا جاءت علاقته باللغة من الشارع والبيت والبحيرة، لا من الكتب وحدها، وهو ما سيصبح لاحقًا أحد أسرار خصوصية تجربته؛ إذ استطاع أن يجعل العامية لغة شعرية كاملة تحمل الصورة والإيقاع والفكرة.
بدأ سيد حجاب كتابة الشعر في سن مبكرة، وكتب في بداياته بالفصحى قبل أن يتجه بقوة إلى شعر العامية.
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
- من الهندسة إلى الشعر
التحق سيد حجاب بقسم العمارة بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية عام 1956، ثم انتقل عام 1958 إلى جامعة القاهرة لدراسة هندسة التعدينر كما أتم دراسات حرة في المسرح، وعمل لاحقًا باحثًا بالإدارة النقابية بهيئة المسرح، كما تولى رئاسة القسم الفني والأدبي بمجلة الشباب، لكن مساره الحقيقي الذي استوعب باقي الطريق كان في الشعر.
في ستينيات القرن الماضي بدأ اسمه يبرز بصورة أكبر، وشارك في إصدار مجلة «جاليري 68»، كما كتب للأطفال في مجلتي «سمير» و«ميكي» بين عامي 1964 و1967، إلى جانب أعماله الإذاعية والمسرحية والشعرية.
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
- «صياد وجنية».. الديوان الأول
في عام 1964 صدر ديوانه الأول «صياد وجنية»، وهو عنوان يحمل في داخله شيئًا من عالمه الأول؛ عالم الصيادين والحكايات والأساطير والخيال الشعبي' ثم توالت إصداراته الشعرية
- سيد حجاب.. شاعر التترات التي أصبحت جزءًا من التاريخ
ربما يعرف ملايين المصريين سيد حجاب قبل أن يعرفوا اسمه؛ فقد ارتبط شعره بعدد كبير من أشهر الأعمال الدرامية المصرية.
كتب كلمات مقدمات لمسلسلات أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية، من بينها: ليالي الحلمية - المال والبنون - الوسية - الأيام - أرابيسك - بوابة الحلواني - العائلة - الشهد والدموع - عصفور النار - أميرة في عابدين - أبو العلا البشري - الليل وآخره - شرف فتح الباب - الحقيقة والسراب - المرسى والبحار - البحار مندي.
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
في ذكرى ميلاده.. سيد حجاب شاعر مصر الذي جعل من التتر التلفزيوني ذاكرة للشعب
- مع عمار الشريعي
كان تعاونه مع الموسيقار عمار الشريعي من أبرز الشراكات الفنية في تاريخ الدراما التلفزيونية المصرية، كما تعاون مع الموسيقار بليغ حمدي في عدد من الأعمال.
- «ليالي الحلمية».. حين أصبح التتر جزءًا من الحكاية
في «ليالي الحلمية»، لم يكن التتر مجرد مقدمة موسيقية لمسلسل طويل؛ فقد قدم حجاب من خلال كلماته مدخلًا شعريًا إلى عالم العمل، بما يحمله من تحولات اجتماعية وتاريخية وصراعات إنسانية.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص تجربة سيد حجاب: قدرته على تلخيص عالم درامي كامل في كلمات قليلة.
الأمر نفسه ظهر في «المال والبنون»، و«الأيام»، و«أرابيسك»، وغيرها من الأعمال التي تحولت مقدماتها الغنائية إلى أعمال مستقلة يتذكرها الجمهور حتى بعد مرور عقود على عرض المسلسلات.
- «بوابة الحلواني».. الشعر والتاريخ
وفي «بوابة الحلواني»، ارتبط اسمه بواحدة من أشهر مقدمات الدراما التاريخية المصرية، بالتعاون مع بليغ حمدي وعلي الحجار.
وأصبحت عبارة «اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني» حاضرة في الذاكرة الشعبية المصرية، بعدما تحولت كلمات التتر إلى جزء من الصورة التي رسمها العمل.
- من الدراما إلى الأطفال والمسرح
لم يحصر سيد حجاب نفسه في التترات التلفزيونية؛ فقد كتب للأطفال، وقدم أعمالًا في الأوبريت والفوازير، كما ارتبط بالمسرح، وكتب أعمالًا غنائية ومسرحية.
ومن أعماله المسرحية «حدث في أكتوبر»، كما ارتبط اسمه بأعمال فنية أخرى في السينما والمسرح، وهو ما يعكس اتساع تجربته وعدم اقتصارها على الشعر الغنائي.
- سيد حجاب وديباجة دستور 2014
ومن المحطات اللافتة في مسيرته أن اسمه ارتبط بكتابة ديباجة دستور مصر لعام 2014، وهي تجربة نقلت لغته الشعرية إلى نص له أهمية كبيرة في تاريخ مصر الحديث.
اختياره لتلك المهمة جاء تقديرًا لقدراته اللغوية والشعرية، باعتبار أن الديباجة تحتاج إلى لغة تجمع بين التعبير عن الهوية والرمزية والقيم العامة.
- جائزة كفافيس.. تقدير لمسيرة شعرية كبيرة
حصل سيد حجاب على جائزة كفافيس الدولية في الشعر عن مجمل أعماله عام 2005، وهي من أبرز الجوائز التي حصل عليها خلال مسيرته.
- شاعر العامية الذي لم يفصل الشعر عن الناس
تميز سيد حجاب بقدرته على الكتابة بلغة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تحمل طبقات متعددة من المعنى.
كان يكتب عن الإنسان العادي، لكنه لم يكن يكتفي بوصف حياته؛ بل كان يحاول اكتشاف المعنى الكامن خلف التفاصيل اليومية.
ولهذا بدت كلماته مناسبة للدراما، والأغنية، والطفل، والمسرح، والقصيدة المستقلة في الوقت نفسه.
لقد استطاع أن يجعل العامية المصرية وسيطًا بين الشعر الرفيع واللغة التي يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية، وأن يمنح الكلمات الشعبية إيقاعًا وصورة ودلالة تتجاوز لحظة سماعها.
رحل سيد حجاب في 25 يناير 2017، لكن رحيله لم يضع حدًا لحضور تجربته؛ فالأعمال التي كتب كلماتها ما زالت تعرض وتُعاد، وتتراتها لا تزال حاضرة في ذاكرة أجيال كاملة.
تبدو تجربة سيد حجاب مثالًا نادرًا على الشاعر الذي خرج من القصيدة إلى حياة الناس مباشرة؛ فكتب للأغنية والدراما والمسرح والطفل، وظل في كل هذه المساحات محتفظًا بصوته الخاص.



























