أمواج المتوسط وحرائق الجزائر وفيضانات نيبال.. هل أصبح الطقس أكثر تطرفًا؟
من اضطراب البحر المتوسط إلى حرائق الغابات في الجزائر وفيضانات نيبال.. ثلاث صور مختلفة للخطر تفتح سؤالًا واحدًا: هل نواجه طقسًا متقلبًا، أم أن المناخ نفسه يعيد رسم خريطة المخاطر؟
في مشهد يبدو للوهلة الأولى بلا رابط، تتجاور خلال أيام قليلة ثلاث كوارث من ثلاث بيئات مختلفة: بحر مضطرب على الساحل المصري للمتوسط، ونيران تلتهم مساحات غابية في الجزائر، ومياه وحطام تندفع من قلب جبال الهيمالايا في نيبال. اختلاف المكان والظاهرة لا يعني بالضرورة اختلاف الرسالة؛ فكل حدث يطرح سؤالًا عن قدرة المجتمعات على التعامل مع طقس متطرف، وعن المسافة العلمية الفاصلة بين «تقلبات الطقس» و«التغير المناخي».
وهنا لا يصبح المطلوب صحفيًا البحث عن علاقة جاهزة تقول إن المناخ «سبب» كل ما حدث، وإنما تفكيك الصورة: ما الذي يمكن أن يفسره الطقس قصير المدى؟ وما الذي يدخل ضمن تغير طويل المدى في درجات الحرارة والهطول والجفاف ومستوى البحر واستقرار الجليد؟
أمواج البحر المتوسط.. عندما يتحول اضطراب الطقس إلى خطر على المصطافين
في مصر، دخل البحر المتوسط في حالة اضطراب واضحة، مع أمواج تراوحت التوقعات حولها بين مترين وثلاثة أمتار في بعض المناطق، بالتزامن مع نشاط للرياح، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الملاحة وسلامة الشواطئ. وتتعامل هيئة الأرصاد مع هذه الحالة باعتبارها ظاهرة جوية آنية تحتاج إلى متابعة دقيقة، لا باعتبارها مؤشرًا منفردًا على تغير المناخ.
وبحسب تفسير الدكتور محمود شاهين، مدير إدارة التنبؤات والتحليل بهيئة الأرصاد الجوية، فإن ارتفاع أمواج البحر المتوسط في هذه الحالة يرتبط أولًا بحالة جوية نشطة فوق البحر، وبنشاط الرياح الذي يدفع إلى زيادة اضطراب سطح المياه وارتفاع الأمواج. ويوضح أن البحر لا يتعامل مع سرعة الرياح باعتبارها رقمًا منفصلًا؛ فمدة استمرار الرياح واتجاهها ومساحة تأثيرها عوامل تؤثر جميعًا في شكل الموجة وارتفاعها.
ويؤكد شاهين، في السياق نفسه، أن ارتفاع الأمواج ظاهرة من ظواهر الطقس التي يمكن رصدها والتنبؤ بها على المدى القصير، ولا يصح التعامل مع كل حالة ارتفاع في الأمواج باعتبارها دليلًا مباشرًا على التغير المناخي. فالظاهرة الحالية لها تفسير أرصادي مرتبط بتطور الحالة الجوية، بينما يحتاج الحكم على وجود تغير في نمط الظواهر البحرية إلى سجلات ومقارنات تمتد لسنوات طويلة.
ويضيف أن الخطورة الحقيقية بالنسبة للمواطنين لا تكمن فقط في رقم ارتفاع الموجة، وإنما في تزامن ارتفاعها مع نشاط الرياح واضطراب البحر، وهو ما يرفع مخاطر السباحة والأنشطة البحرية، ويجعل الالتزام بتعليمات الشواطئ والإنقاذ البحري أمرًا أساسيًا خلال فترات عدم الاستقرار.
وتلك التفرقة هي جوهر القصة: الطقس يفسر لماذا ارتفعت الأمواج الآن، بينما المناخ يبحث في ما إذا كانت الخلفية التي تحدث فوقها هذه الظواهر قد تغيرت على مدى عقود.
وهنا تكمن أهمية الحدث بالنسبة لمصر، الدولة المطلة على البحر المتوسط والتي تضم مناطق ساحلية كثيفة السكان وأنشطة سياحية واقتصادية واسعة.
حرائق الجزائر.. المناخ يهيئ الظروف والنشاط البشري قد يشعل الشرارة
وفي الجزائر، جاءت الصورة من البر هذه المرة؛ حرائق غابات واسعة امتدت في مناطق عدة، مع استمرار عمليات الإخماد والمراقبة تحسبًا لتجدد النيران. وتكشف هذه الحالة جانبًا مختلفًا من العلاقة بين الطقس والمناخ: فالحرارة والجفاف والرياح قد تخلق بيئة شديدة القابلية للاشتعال، لكن بداية الحريق نفسها قد تكون لها أسباب أخرى.
ومن هنا تأتي أهمية عدم اختزال الحريق في عبارة «كارثة مناخية». الأدق أن نسأل: هل أصبحت الظروف التي سبقت الحريق أكثر حرارة وجفافًا؟ وهل تغيرت مدة موسم الخطر؟ وهل أصبحت النباتات والتربة أكثر جفافًا بما يسمح للنيران بالانتشار بسرعة أكبر؟ هذه هي الأسئلة التي تجعل الصلة بالمناخ قابلة للبحث والقياس.
ومن زاوية التغيرات المناخية، يضع الدكتور مجدي علام، خبير التغيرات المناخية، الأحداث الثلاثة في إطار أوسع؛ فالمشكلة، من وجهة نظره، ليست في البحث عن علاقة مباشرة بين كل كارثة والتغير المناخي، وإنما في فهم كيف يؤدي ارتفاع حرارة الأرض إلى تغيير الظروف التي تتحرك داخلها الظواهر المتطرفة.
ويرى علام أن ارتفاع درجات الحرارة لا يعني أن كل موجة حر أو حريق أو فيضان يمكن نسبته مباشرة إلى تغير المناخ، لكنه يعني أن البيئة الطبيعية أصبحت أكثر تعرضًا لضغوط حرارية ومائية متزايدة. ففي مناطق الغابات، يمكن للحرارة والجفاف أن يخفضا رطوبة التربة والغطاء النباتي، بما يجعل انتشار النيران أسرع عندما تتوافر شرارة الاشتعال، سواء كانت طبيعية أو بشرية.
أما في المناطق الجبلية، فيلفت علام إلى أن ارتفاع الحرارة يؤثر تدريجيًا في الثلوج والجليد ودورة المياه، وهو ما يجعل مراقبة المناطق الجليدية والأنهار والبحيرات الجبلية جزءًا مهمًا من إدارة مخاطر المستقبل. لكنه يشدد على أن ربط حادث بعينه بالتغير المناخي يحتاج إلى دراسة علمية متخصصة تحدد العوامل التي سبقت وقوعه.
وبالنسبة للبحار والسواحل، يفرق علام بين الحالة الجوية التي ترفع الأمواج خلال ساعات أو أيام، وبين التغير المناخي الذي يعمل على مدى عقود ويمكن أن يرفع مستوى سطح البحر ويغير بعض خصائص النظم البحرية والساحلية. ومن هنا، فإن موجة البحر الحالية لا تكفي وحدها للحكم على تغير المناخ، لكنها تأتي ضمن عالم يتطلب مراقبة طويلة المدى للتغيرات التي تطرأ على السواحل والمحيطات.
ويختصر علام العلاقة بين الطقس والمناخ في أن الطقس هو الحدث الذي نراه الآن، أما المناخ فهو الخلفية التي تتغير ببطء وتعيد تشكيل مستوى المخاطر على المدى الطويل؛ ولذلك فإن التعامل مع الكوارث المتطرفة لا يجب أن يقتصر على الاستجابة بعد وقوعها، بل يمتد إلى التكيف والاستعداد وتقوية أنظمة الإنذار المبكر.
وبالنسبة للسواحل، يظل الفارق مهمًا بين «ارتفاع موجة» يحدث نتيجة حالة جوية محددة، وبين ارتفاع مستوى سطح البحر بوصفه تغيرًا طويل الأجل. أما في المناطق الجبلية، فارتفاع الحرارة يمكن أن يؤثر في الجليد والثلوج والأنظمة المائية، لكن إثبات أن حدثًا بعينه سببه تغير المناخ يحتاج إلى تحليل علمي خاص بالواقعة.
لكن ذلك لا يعني أن كل حريق سببه تغير المناخ.
فالحرائق قد تبدأ نتيجة عوامل بشرية أو طبيعية متعددة، وتظل سرعة انتشارها وشدتها مرتبطة بالظروف الجوية وحالة الغطاء النباتي وطبيعة المنطقة.
بمعنى آخر: التغير المناخي لا يشعل بالضرورة عود الثقاب، لكنه قد يجعل البيئة أكثر قابلية للاشتعال عندما تتوافر الشرارة.
وهذا ما يجعل موجات الحر والجفاف من أهم العوامل التي يراقبها علماء المناخ عند دراسة مخاطر حرائق الغابات.
نيبال.. حين تتقاطع الجبال والأنهار والجليد
أما نيبال، فتأخذ القصة منحى أكثر تعقيدًا؛ إذ أدى انهيار جليدي وانطلاق كميات ضخمة من الجليد والصخور والطين والحطام إلى فيضانات مدمرة في المناطق الواقعة قرب الحدود مع الصين. ووفق أحدث البيانات المنشورة، تجاوز عدد القتلى في نيبال 600، مع آلاف المفقودين، بينما استمرت التحذيرات من مخاطر فيضانات جديدة.
وهنا تصبح العلاقة مع التغير المناخي أكثر حساسية؛ فوجود الجليد في منطقة شديدة الارتفاع لا يعني أن انهياره الأخير كان «بسبب المناخ» تلقائيًا. ما يمكن قوله علميًا هو أن الاحترار طويل المدى يغيّر خصائص الجليد والثلوج ودورة المياه في المناطق الجبلية، وبالتالي يغيّر بعض عناصر الخطر، بينما يحتاج إسناد الحادث نفسه إلى دراسة متخصصة.
فذوبان الأنهار والكتل الجليدية وتراجع استقرار المنحدرات الجبلية من الآثار التي يمكن أن ترتبط بارتفاع درجات الحرارة على المدى الطويل، كما أن تغير الظروف الهيدرولوجية في المناطق الجبلية قد يزيد من مخاطر بعض أنواع الفيضانات والانهيارات.
لكن لا يمكن الجزم بأن الانهيار الجليدي والفيضان الأخير في نيبال نتجا مباشرة عن تغير المناخ من دون دراسة علمية لإسناد الحدث.
وهذه نقطة مهمة جدًا في التغطية الصحفية؛ فالعلم لا يقول إن كل فيضان أو حريق أو موجة حر هو نتيجة مباشرة للاحتباس الحراري، وإنما يبحث في سؤال أكثر دقة: هل أدى تغير المناخ إلى زيادة احتمال حدوث الظاهرة أو زيادة شدتها؟
ما الذي يجمع بين الأحداث الثلاثة؟
رغم اختلاف السيناريوهات، فإن القاسم المشترك هو زيادة حساسية النظم الطبيعية والبشرية تجاه التغيرات في الظروف الجوية والمناخية.
فالطقس هو الحدث الذي نرصده الآن أو خلال أيام، بينما المناخ هو الصورة المتراكمة عبر عقود. وبين الاثنين توجد منطقة واسعة اسمها «الطقس المتطرف»: حدث قصير المدى قد يكون شديدًا، لكن معرفة ما إذا كان تغير المناخ جعله أكثر احتمالًا أو شدة تحتاج إلى مقارنة علمية طويلة المدى.
وقد تحدث موجة بحرية شديدة من دون أن تكون مرتبطة مباشرة بتغير المناخ، كما يمكن أن يندلع حريق بسبب نشاط بشري، أو يحدث فيضان بسبب انهيار جليدي أو هطول شديد.
لكن عندما ترتفع درجات الحرارة عالميًا وتتغير أنماط الهطول والجفاف وتزداد حرارة المحيطات، فإن ذلك يمكن أن يغير خط الأساس الذي تتحرك فوقه الظواهر الجوية.
وهذا يتسق مع التقييمات العلمية العالمية التي تشير إلى أن كثيرًا من مؤشرات الحرارة الشديدة تغيرت بوضوح مع الاحترار العالمي، مع اختلاف قوة الأدلة من ظاهرة إلى أخرى.
ليست كل كارثة «تغيرًا مناخيًا».. لكن المناخ يغير قواعد اللعبة
الخطأ الشائع في تناول الكوارث المناخية هو التعامل مع كل حدث متطرف باعتباره دليلًا منفردًا على تغير المناخ.
والأدق هو النظر إلى الصورة الأكبر.
فعندما تتكرر موجات الحر الشديدة، وتزداد مخاطر الحرائق في مواسم الجفاف، وتتغير أنماط الأمطار، وتتعرض المناطق الجبلية والساحلية لمخاطر جديدة، يصبح السؤال العلمي أكثر أهمية من مجرد البحث عن «سبب» حدث واحد.
التغير المناخي لا يعني أن كل يوم سيكون أكثر تطرفًا، لكنه قد يزيد احتمالات بعض أنواع الطقس المتطرف أو يجعل آثارها أكثر شدة.
وهنا تنتقل القضية من مجرد «طقس سيئ» إلى ملف يتعلق بالتخطيط العمراني، وإدارة السواحل، وحماية الغابات، والإنذار المبكر، وإدارة المياه، وحماية المجتمعات الأكثر تعرضًا للمخاطر.
من الإنذار إلى التكيف
تكشف الأحداث الثلاثة أيضًا أهمية أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد.
ففي مصر، تمثل التحذيرات البحرية ورفع درجات الاستعداد على الشواطئ وسيلة مباشرة لحماية المواطنين والمصطافين.
وفي مناطق الغابات، تصبح مراقبة الحرائق بالأقمار الصناعية والاستجابة السريعة عاملًا حاسمًا للحد من انتشار النيران.
أما في المناطق الجبلية، فإن مراقبة الأنهار الجليدية والبحيرات الجليدية والأنهار، إلى جانب أنظمة الإنذار المبكر والإخلاء، يمكن أن تقلل من الخسائر البشرية عندما تقع الكوارث.
وبذلك، فإن الرسالة الأهم التي تحملها أمواج المتوسط وحرائق الجزائر وفيضانات نيبال ليست أن «المناخ تسبب في كل شيء»، وإنما أن العالم يتعامل مع بيئة تتغير، وأن الاستعداد لهذه التغيرات أصبح جزءًا أساسيًا من حماية الإنسان والاقتصاد والطبيعة.

















.jpeg)





