بوابة الدولة
الخميس 6 أغسطس 2026 03:11 صـ 21 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
بيانات ملاحية حديثة أن 10 سفن فقط عبرت مضيق هرمز خلال 24 الماضية دوي صافرات الإنذار في العاصمة كييف بسبب هجوم روسي صحة الشرقية تكرم الدكتور بهاء أبو شعيشع بدرع تقديري محمد صلاح يصنع طفرة جماهيرية.. صفحة طرابزون سبور تقترب من مليوني متابع خلال ساعات رئيس جامعة بورسعيد يفتتح أول مهرجان شاطئي للجوالة في بورفؤاد صوت العرب تبرز دور الذكاء الاصطناعي في مكافحة الاتجار بالبشر محمد شريف خارج حسابات عموتة بالموسم الجديد.. وترتيبه الخامس بمهاجمى الأهلى أون سبورت تنقل مباراة مباراة مصر والصين في ربع نهائي بطولة العالم لناشئات اليد وزير الرياضة يهنئ اتحاد الشطرنج بعد تصدر البطولة العربية بـ34 ميدالية سيف الجزيرى يطير إلى الإمارات خلال أيام لحسم انتقاله لنادى حتا ”كشري أبو طارق” سفيرا لسياحة الطعام في الشرق الأوسط.. ويستضيف أكثر من 50 سفيرا ودبلوماسيا ضمن مبادرة ”دبلوماسية الكشري” موعد مباراة منتخب مصر لناشئات كرة اليد أمام الصين في ربع نهائي بطولة العالم

الكاتب الصحفى سيد التلاوى يكتب : جلال عيسى.. الرجل الذى خلد اسمة فى سجل عظماء الصحافة المصرية

الكاتب الصحفى سيد التلاوى
الكاتب الصحفى سيد التلاوى

هناك رجال يمرون فى تاريخ الصحافة مرورًا عاديًا، وهناك رجال يصنعون التاريخ بأقلامهم ومواقفهم، فيتحولون إلى مدارس مهنية ووطنية تتوارثها الأجيال. ومن هؤلاء العمالقة الذين سيظل اسمهم محفورًا فى ذاكرة الصحافة المصرية والعربية، الكاتب الصحفى الكبير جلال عيسى، الذى لم يكن مجرد صحفى بارع أو نقابى بارز، وإنما كان رمزًا للشجاعة والاستقلال المهنى، وصاحب مدرسة متفردة فى الدفاع عن الكلمة الحرة.

وأعتز،شاهداً للتاريخ، بأننى كنت أحد الذين تتلمذوا على يديه بعد تخرجى فى كلية الآداب قسم الصحافة بجامعة سوهاج. تعلمت منه أن الصحافة ليست مهنة للباحثين عن الشهرة، وإنما رسالة للدفاع عن الوطن والحقيقة وحقوق الناس. كان يؤمن بالشباب، ويمنحهم الفرصة، ويصنع منهم صحفيين حقيقيين، ولذلك فإننى أدين له بالفضل والولاء والعرفان، لأنه كان أستاذًا قبل أن يكون رئيسًا، وإنسانًا قبل أن يكون مسؤولًا.

امتلك جلال عيسى كاريزما استثنائية، فرضت احترامها على الجميع. كان حضوره يملأ المكان، وهيبته تسبق اسمه، لكنه فى الوقت نفسه كان صاحب قلب كبير، يستقبل الصحفيين الشباب بابتسامة الأب واحتواء المعلم. لم يتعامل مع المتدربين باعتبارهم عبئًا، بل كان يرى فيهم مستقبل المهنة. كم من صحفى بدأ خطواته الأولى بفضل دعمه وتشجيعه، وكم من موهبة أنقذها من الإحباط، وفتح لها أبواب المؤسسات الصحفية الكبرى.

شغل الراحل الكبير العديد من المناصب التى جعلته واحدًا من أهم صناع القرار فى الصحافة المصرية، فقد عمل محررًا بجريدة «الأخبار» عام 1960، ثم تدرج حتى أصبح رئيسًا لقسم الأخبار، ومساعدًا لنائب رئيس التحرير، ثم نائبًا لرئيس التحرير عام 1974، ومديرًا لتحرير جريدة الأخبار عام 1987، قبل أن يتولى رئاسة تحرير مجلة «آخر ساعة»، إحدى أهم المجلات السياسية فى مصر والعالم العربى، ثم انتقل رئيسًا لمجلس إدارة ورئيسًا لتحرير مؤسسة دار الشعب، حيث أسس جريدة «الرأى» وأدارها بكفاءة واقتدار.

ولم تتوقف مسيرته عند العمل الصحفى، بل كان أحد أبرز القيادات النقابية فى تاريخ نقابة الصحفيين، حيث انتُخب عضوًا بمجلس النقابة لعدة دورات منذ عام 1976، وشغل منصب السكرتير العام المساعد، ثم وكيل نقابة الصحفيين، وقام بمهام النقيب بالنيابة لسنوات طويلة، كما تولى رئاسة لجنة القيد، التى كانت بوابة الانضمام إلى صاحبة الجلالة، وكان حريصًا على تحقيق العدالة والإنصاف لكل صحفى يستحق.

كما كان عضوًا بالمجلس الأعلى للصحافة، وأمينًا عامًا مساعدًا له لعدة دورات، وشارك فى لجنة إعداد مشروع قانون سلطة الصحافة، وكان عضوًا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ورئيسًا للجنة الإعلام الدينى، وعضوًا فى العديد من الجمعيات المهنية والخيرية، ومثل مصر على رأس وفود نقابة الصحفيين فى مؤتمرات عربية ودولية، ووقع اتفاقيات تعاون مع نقابات الصحفيين فى مختلف دول العالم، وحصل على العديد من الأوسمة والدروع وشهادات التقدير تقديرًا لمسيرته الوطنية والمهنية.

لكن المناصب وحدها لا تصنع العظماء، وإنما تصنعهم المواقف، وأعظم مواقف جلال عيسى سيظل موقفه التاريخى فى مواجهة القانون رقم 93 لسنة 1995، الذى عرفه الصحفيون بقانون اغتيال الصحافة أو قانون حبس الصحفيين. كان ذلك القانون يمثل أخطر اعتداء على حرية الرأى والتعبير، ويفتح أبواب الحبس على مصراعيها فى قضايا النشر.

فى تلك اللحظة الفارقة، لم يبحث جلال عيسى عن السلامة الشخصية، ولم يختبئ خلف المجاملات أو الحسابات السياسية، بل وقف شامخًا فى احتفال عيد الإعلاميين ممثلًا لنقابة الصحفيين، وألقى كلمة مجلس النقابة أمام الرئيس الأسبق حسنى مبارك بكل شجاعة، مطالبًا بعدم التصديق على القانون وإعادته إلى البرلمان.

لقد جاءت عبارته الشهيرة التى دخلت تاريخ الصحافة المصرية: "هديتك للصحفيين فى عيد الإعلاميين مرفوضة يا ريس"، فى إشارة إلى قانون الحبس. كانت كلمات قليلة، لكنها هزت المشهد السياسى كله، وأكدت أن النقابة تملك رجالًا لا يخشون إلا ضمائرهم.

دفع جلال عيسى ثمن هذا الموقف النبيل. أُبعد عن رئاسة تحرير مجلة «آخر ساعة»، ونُقل إلى مؤسسة دار الشعب، فى محاولة لمعاقبته على موقفه، لكنه لم يندم يومًا، بل ظل فخورًا بأنه اختار الوقوف مع الصحفيين، حتى انتصرت الجمعية العمومية بعد معركة استمرت عامًا كاملًا، وتم إسقاط القانون وإصدار القانون رقم 96 لسنة 1996، ليبقى ذلك الانتصار واحدًا من أعظم انتصارات الجماعة الصحفية فى تاريخها.

لقد أثبت جلال عيسى أن المناصب تزول، أما المواقف فتبقى. وأن الصحفى الحقيقى لا يقاس بعدد السنوات التى قضاها فى الكرسى، وإنما بما قدمه للمهنة من تضحيات، وبما تركه من أثر فى نفوس تلاميذه وزملائه.

رحل الأستاذ الكبير، لكن سيرته ستظل نبراسًا لكل صحفى يؤمن بأن الكلمة أمانة، وأن حرية الصحافة ليست منحة من أحد، بل حق ينتزع بالنضال الشريف. وسيظل اسمه حاضرًا فى سجل العظماء، باعتباره واحدًا من أبرز فرسان صاحبة الجلالة، ورمزًا للنزاهة والاستقلال والشجاعة النقابية، ورجلًا حمل هموم الصحفيين على كتفيه حتى آخر يوم فى حياته.

رحم الله الكاتب الصحفى الكبير جلال عيسى، الذى لم يكن مجرد اسم فى سجل المناصب، بل كان قيمة إنسانية ومهنية ووطنية نادرة، وسيبقى فى وجدان كل من عرفه أو تعلم منه، واحدًا من أعظم رموز الصحافة المصرية والعربية، وأحد الرجال الذين كتبوا تاريخ المهنة بأحرف من نور

موضوعات متعلقة