محمود الشاذلى يكتب : شاهد على العصر شيخ العرب اللواء عبدالحليم موسى الذى أعرفه .
ليستقر اليقين أن مصر عظيمه برجالها ، كبيره بشعبها ، ذات سياده تتحكم فى إرادتها ، حتى ولو كان هناك من نرفض مسلكهم ، ونعترض على نهجهم ، إلا أن هؤلاء يمثلون شريحه فى المجتمع لايتعين أن نبنى عليها إطارا عاما لوطننا الغالى ، أو نصدرهم على أنهم الدوله .. مؤلم أن نجلد ذاتنا كل الوقت ، ونصدر حتى لأنفسنا أن كل المسئولين لايفقهون شيئا ، وأضروا بالوطن ، ونهبوا مصر ، رغم أن فيهم عظماء بحق ، تلك الرؤيه تنطبق على الماضى وكذلك الحاضر وبالقطع المستقبل ، ونظرا لهذا الموروث البغيض يتعين إنصاف من ندرك لديهم أداءا أو مواقف تتسم بالإنسانيه ، وتتحلى بالموضوعيه . يضاف إلى ذلك إدراك أهمية المواقف في حياة الإنسان ، لذا قيل الإنسان موقف ومن لاموقف له لاقيمة للتواصل معه ، تلك المواقف لاشك تحدد نبل الإنسان وقدره الإنسانى والمجتمعى ، يتعاظم ذلك عندما يكون الموقف له علاقة بالإنصاف ، وجبر الخاطر ، لأنه يستقر في الوجدان حتى يلقى الإنسان رب كريم .
إنطلاقا من ذلك ذات يوم وبحكم تخصصى الصحفى كرئيسا للقسم القضائى بجريدة الوفد ومحررا متخصصا فى شئون وزارة الداخليه ، طرقت باب الوزير حيث مكتبه بديوان عام الوزاره بلاظوغلى ، فرآنى مكتئبا مهموما حزينا ، طلب لى القهوه ، ونظرا لوجود قيادات بالوزاره كانوا جلوسا معه يعرضون عليه أمرا ، إستأذنت فى الإنصراف فأبى وقال عاوزك ، فأخذت جانبا فى الجلوس حيث أحد الصالونات فى جانب من حجرة المكتب ، بعيده عن جلسته مع القيادات ، ماهو إلا وقت قصير إنتهت فيه مقابلاته ، فأشار لى وجلست بالقرب منه ولم أستطع الحديث كما هو معتاد ، فأدرك ذلك جليا ، فسألنى مابك ، تؤمر ولاتنعى هم ، الوزير الإنسان ظن أننى بضائقه ماديه ، فأخرج من جيبه بعضا من المال مؤكدا أنه على سبيل السلف فإعتذرت ، مخرجا من جيبى ماكان بحوذتى من مال ليعرف أن معى مال ، قال مابك ، أنت من الأشخاص ظاهرهم كباطنهم لايستطيعون الإخفاء ، فالفرحه أدركها لديك ، والسعاده وحتى الحزن ، ولاتستطيع أن تقاوم مايظهر على وجهك ، فما بك طمنى .
قلت له بصراحه معالى الوزير لى صديق كان زميل دراسه فى الثانوى ، تخرج من كلية السياحه والفنادق ، إختفى وهو فى طريقه لشرم الشيخ يستلم عمل فى فندق ، وأهله فى رعب خوفا عليه لأن والدته سمعت من يسبه وهو يتحدث معهم عبر الهاتف أثناء ركوبه الأتوبيس ، ثم أغلق الهاتف وإنقطع الإتصال ، وذلك منذ يومين ، وأعطيته البيانات التى أعطاها للواء حجازى بمكتبه ، لم يمر وقت على الإطلاق إلا وقال لى صديقك فى الطريق للفندق بسياره خاصه ، حيث تم حجزه فى أحد الأكمنه للفحص وإتضح أن هناك تشابه أسماء بعد مراجعة إسم الأم وتم التوصيه عليه بالفندق ، وكان قاسيا لمن كان معه على الهاتف محذرا حجز أى مواطن لأيام دون فحص ، مؤكدا أيضا على ضرورة تحديد موقف الشخص بالفحص فى التو واللحظه ، وسبحان الله العظيم كانت توصية مكتب الوزير لصديقى بالفندق ترسيخا له فى العمل ومنطلقا له كبير ، واقعه أخرى عرضتها على الوزير بشأن أحد أبناء بلدتى وجد نفسه متهما بالبلطجه على أثر خلاف مع جاره ، وجاره هذا له علاقه بضباط الشرطه ، الأكثر من ذلك ماتضمنته التحريات التى جعلت منه مجرم عتى فى الإجرام ، والأمر لايعدو رفضه أن يفتح جاره شباك على حديقة منزلهم ، وفشلت فى توضيح موقفه ومؤلم أنه فى مأزق وأنا أشعر بالعجز عن إنصافه وإنقاذه ، وأرى أن هناك تعنت بحقه ، قلت للوزير لاأطلب إلا الإنصاف ، ولو كان مخطأ لاأتردد أن يطبق عليه القانون ، لكنه أحسن منى ، ومنه أتعلم ، وأعطيته إسمه والبيانات وقد دونتها فى ورقه فأعطاها للواء حجازى الذى كان مساعدا للوزير لشئون مكتبه ، وقبل أن أغادر مكتبه قال أحسنت ، تسلم ياأبوحنف ، لقد أنقذ إخلاصك زميلك ، وهو الآن فى الطريق إلى منزله وسيتم تصويب الخلل ومحاسبة مرتكبيه .
بعد أيام حاصرنى أحد الضباط الكبار الذى تربطنى به صداقه بحكم أنه بلدياتى ، كيف إستطعت ، مشيرا إلى الأمر فقلت له والله هذا توفيق الله ، وذلك بعد أن عرف بأننى من تدخلت فى الأمر ، فقلت له هذا الظلم منافى لطبيعة الأشياء ، وثوابت الحياه ، ماحدث ياسيدى يزيد الكراهية والبغضاء ، إستشعرت وكأنه يريد أن يقبض على رقبتى بيديه من الغيظ ، وأنا لايعنينى ان يغضب منى جاره ، أو ضابط المباحث ، إنما يعنينى أن مافعلته كان تصويبا لخلل جسيم .
أكشف عن هذا الجانب الإنسانى فى حياة معالى الوزير النقى التقى محمد عبدالحليم موسى وزير الداخليه ، دون أى شبهة لمجامله ، أو نفاق فالرجل فى رحاب الله تعالى لاحول له ولاقوه ، وهكذا نحن البشر ظالمين لاننصف الناس إلا عند موتهم ويصبحون ذكرى ، رغم أن حقهم أن ننصفهم أحياء بعد أن يتجردوا من المنصب ، لاينتبه إليهم أحد إلا من بداخلهم محبه حقيقيه لهم نشأت من جميل صنيعهم وهم بالسلطه ، على أية حال إن هذا الإنصاف أراه من واجبى وشهادة حق عن عمل طيب له لاشك هو له ذخرا يوم الحساب ، ولأن الناس لايعرفون عن وزير الداخليه إلا كونه جبارا فى الأرض ، وكذلك لأتندر على زمن كانت الصحافه فيه صاحبة الجلاله بحق وليست خادمه فى بلاط السلاطين ، ومقدار الصداقه التى كانت تربط بيننا كصحفيين ومصادرنا الصحفيه إنطلاقا من مصداقيه تجسدت من خلال التعامل والتعايش ، ولى أن أفخر أن صلتى بالوزير الإنسان معالى اللواء محمد عبدالحليم موسى رحمه الله بعد خروجه من الوزاره ، وظللت كل جمعه ألتقى به بمزرعته بالنوباريه ، حيث أكون برفقة الحبيب والصديق والإنسان معالى اللواء جميل أبوالدهب مدير أمن الغربيه السابق ، ومحافظ بور سعيد السابق رحمه الله ، حيث كان ينتظرنى صباحا بمنزله بشارع النادى بطنطا ثم ننطلق إلى النوباريه لنقضى اليوم مع الوزير عبدالحليم موسى ويباشر مزرعته هناك ، وهناك كنت ألتقى بكرام كثر وكنت أأنس بالخلوق المحترم إبن أبوتشت ونائبها السابق بالبرلمان ، وإبن صعيد مصر الخلوق المحترم اللواء عصام بركات رئيس حرس الوزير عبدالحليم موسى ، عضو مجلس النواب بعد ذلك ، ووكيل لجنة الطاقه .
لم يكن فى هذا الوقت من الزمان إنصاف صديقى مجرد حاله عرضتها على وزير الداخليه ، إنما كان نهجا عندما تتضح الصوره ، وتظهر الرؤيه ، ويستقر الضمير بحقيقة الأمور ، الأمر الذى معه رصدت نهج الإنصاف فى مواقع كثيره يعليه المسئولين عندما يستقر يقينهم بأنه يتحتم رفع ظلم قد وقع ، الأمر الذى معه أرى أنه من الضرورى طرح المواقف المشرفه لكل مسئول كان إنسانا فأنصف مظلوما .
الآن حيث أكون فى خريف العمر أستعد للرحيل عن هذا العالم المزيف ، أنكفأ على ذاتى ، وألملم شتات نفسى ، وأجتهد لتقديم الخير للناس ، ومساعدة المرضى وأصحاب الحاجات ، ورفع الظلم عن المقهورين ، وأدعو لهذا الوطن الغالى ، وكل أبناء الشعب ، بالتقدم والإزدهار ، وأن يخرج من رحم الوطن مسئولين على هذا القدر الرفيع من الإنسانيه ، أيا ماكانت مواقعهم الوظيفيه ، وأن ينتبه الضباط جميعا خاصة المنوط بهم تقييم أحوال العباد أن العدل إسم من أسماء الله تعالى ، وأنه لاأبدية فى الحكم على الناس ، فكم من عاصى تاب ودخل الجنه ، وكم من صالح فسد ودخل النار ، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، هذا فى أمر الآخره ، فمن باب أولى أن يكون هذا النهج فى الدنيا ، لذا لابد وأن تكون المراجعات منهج حياه ، حتى يكون الحكم عليهم بوضعهم فى القوائم السوداء عن بينه طبقا لما يستقر معه اليقين من قناعات ممزوجه بالدلائل الأكيده قبل الحكم على الناس ، لأننا جميعا إلى زوال ، وأن شأنهم شأننا لن يؤنس وحشتهم فى الدنيا والآخره إلا العمل الصالح ، والمواقف النبيله التى تكون سببا لينالوا الدعوات الطيبات بالصحة والستر ، وهل هناك فى هذه الحياه أعظم من الصحه والستر .
الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .









.jpeg)


