ربع قرن في الكرملين: قراءة في مسيرة الرجل الذي أعاد تشكيل موسكو
على مدى ربع قرن، ارتبط اسم روسيا في الأذهان برجلٍ واحد أمسك بالسلطة بكلتا يديه وأعاد رسم موقع بلاده على الخريطة الدولية. فمن استعادة هيبة الدولة بعد سنوات الاضطراب، إلى المواجهة المفتوحة مع الغرب، شكّلت هذه المسيرة محطة محورية في تاريخ موسكو الحديث. هذا المقال يقدّم قراءة متوازنة في هذه التجربة كما يراها مؤيدوها ومنتقدوها.
من أجهزة الاستخبارات إلى الكرملين
دخل الرئيس الروسي الكرملين في الحادي والثلاثين من كانون الأول 1999 وهو في السابعة والأربعين، آتياً من صفوف جهاز الاستخبارات السوفياتية. ومنذ ذلك الحين، تميّز حكمه بسمتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بالشأن الداخلي عبر السيطرة على طبقة الأثرياء وتقييد الإعلام والمعارضة، والثانية بالسعي إلى اكتساب نفوذ جيوسياسي عبر سلسلة من المحطات الخارجية.
ويمكن تلخيص أبرز هذه المحطات في الجدول التالي:
|
العام |
المحطة |
|
2008 |
الحرب في جورجيا |
|
2014 |
ضمّ شبه جزيرة القرم |
|
2015 |
التدخّل العسكري في سوريا |
|
2022 |
الحرب في أوكرانيا |
رؤية لاستعادة «العظمة»
في عمق هذه المسيرة، تقف رؤية فلاديمير بوتين القائمة على ما يعتبره استعادة لمكانة بلاده الدولية. فالرجل الذي ما زال متأثراً بتفكك الاتحاد السوفياتي بوصفه هزيمة في الحرب الباردة، عبّر مبكراً عن قطيعته مع الغرب في خطاب حاد ألقاه عام 2007 في مؤتمر ميونيخ للأمن، حين اتهم حلف شمال الأطلسي بتهديد روسيا عبر التوسّع، وانتقد ما اعتبره «سيادة مطلقة» أميركية في العالم. وهي المبررات نفسها التي استند إليها لاحقاً.
تعديل دستوري وانتخابات محسومة
عام 2020، أُقرّ تعديل دستوري يتيح له البقاء في الحكم حتى 2036. وقد شغل منصب الرئيس لولايتين امتدّت كل منهما أربعة أعوام، ثم اثنتين كل منهما ستة أعوام، فصلت بينهما فترة كان فيها رئيساً للوزراء. وفي الانتخابات الأخيرة، خرج فائزاً بولاية جديدة، في مشهد بدا محسوماً سلفاً.
بين التأييد الشعبي والانتقادات
تنقسم الصورة بين روايتين. فبالنسبة إلى كثير من مواطنيه، يبقى الرجل الذي أعاد لبلاده عزّتها بعدما قوّضها الفقر والفساد في عهد سابق، خصوصاً أنه استفاد في بداياته من أسعار مواتية للطاقة لتطوير الاقتصاد. أما منتقدوه فيشيرون إلى ملف الحريات والمعارضة، إذ توزّع رموزها بين المنفى والسجن، فيما توفي أبرز معارضيه في محبسه، واغتيل آخر عام 2015.
خطاب يقوم على مواجهة الغرب
يقوم خطاب الرئيس الروسي على فكرة محورية مفادها أن بلاده تخوض مواجهة مع هيمنة غربية تسعى إلى تهميشها. فمنذ خطابه الشهير عام 2007، حمّل حلف شمال الأطلسي مسؤولية التوتر عبر توسّعه شرقاً، وصوّر النزاع لاحقاً على أنه أوسع من حدود أوكرانيا، بل معركة لإعادة تشكيل النظام الدولي. وفي هذا الإطار، يقدّم بلاده بوصفها حاملة لقيم تقليدية في مواجهة ما يعتبره انحطاطاً غربياً، ويستثمر هذا الخطاب داخلياً لتعزيز الالتفاف حوله.
وخارجياً، يراهن على شبكة علاقات بديلة تخفّف من أثر العزلة الغربية. فهو يشير إلى دعم دبلوماسي من الصين، وإلى إقبال آسيوي على الطاقة الروسية، وإلى علاقات متنامية مع دول تبحث عن شريك يوازن النفوذ الغربي. وبهذا يحاول تحويل العقوبات من أداة ضغط إلى حافز لإعادة توجيه اقتصاد بلاده نحو أسواق جديدة، وإن كان نجاح هذا الرهان على المدى البعيد يبقى محل اختبار حقيقي.
تحديات رغم القوة
رغم حضوره القوي، يواجه تحديات حقيقية. فالحسم العسكري في أوكرانيا لم يتحقق، وقدرة الاقتصاد والمجتمع على الصمود مع طول النزاع تبقى سؤالاً مطروحاً. وقد شكّل تمرّد مجموعة «فاغنر» ثم مقتل قادتها في تحطّم طائرة مثالاً على هشاشة بعض التوازنات الداخلية. وفي المقابل، يستند إلى دعم دبلوماسي من الصين، وإقبال آسيوي على الطاقة الروسية، وعلاقات متنامية مع دول أخرى يقدّم نفسه أمامها بديلاً عن النفوذ الغربي.
سؤال ما بعد الحقبة
ويبقى السؤال الأكبر المعلّق هو مستقبل ما بعد هذه الحقبة الطويلة، إذ ترتبط استمرارية النهج الحالي بشخص واحد أمسك بمفاصل السلطة لعقود. وهذا ما يجعل أي حديث عن مرحلة انتقالية محفوفاً بالغموض، في بلد بنى استقراره الداخلي على معادلة قوة شخصية أكثر من اعتماده على مؤسسات راسخة قادرة على ضمان السلاسة عند أي تغيير محتمل في القمة.
في الختام
تكشف هذه المسيرة الطويلة كيف يمكن لشخصية واحدة أن تطبع حقبة كاملة من تاريخ دولة كبرى، بكل ما تحمله من إنجازات في نظر أنصارها وإشكاليات في نظر خصومها. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل تستطيع موسكو الحفاظ على هذا المسار على المدى البعيد، أم أن كلفته ستفرض إعادة حسابات؟ شاركنا قراءتك لمستقبل العلاقة بين موسكو والغرب.











