تحذيرات نيابية حادة من التوسع في القروض خلال موافقة البرلمان على زيادة رأسمال صندوق النقد العربي
شهد مجلس النواب، خلال جلسته العامة اليوم الثلاثاء، برئاسة المستشار هشام بدوي، مناقشات موسعة اتسمت بالحدة، واعتراضات من عدد من النواب، أثناء مناقشة قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 115 لسنة 2026 بشأن الموافقة على قرار مجلس محافظي صندوق النقد العربي رقم 9 لسنة 2024، والمتعلق بزيادة رأس مال الصندوق وتعديل بعض مواد اتفاقية تأسيسه، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من استمرار الاعتماد على القروض والتوسع في الاستدانة وتحميل الأجيال القادمة أعباء مالية متزايدة.
وأكد عدد من النواب خلال الجلسة أن السياسات الاقتصادية الحالية تعتمد بشكل مفرط على القروض والتسهيلات التمويلية، دون وجود رؤية واضحة تضمن تحقيق عائد اقتصادي مباشر وملموس للمواطن، مشيرين إلى أن المواطن المصري لا يشعر حتى الآن بنتائج أو مردود حقيقي للقروض التي تم الحصول عليها خلال السنوات الماضية، رغم الارتفاع الكبير في حجم الدين العام وتزايد أعباء خدمته على الموازنة.
وطالب النواب الحكومة بضرورة تقديم كشف تفصيلي واضح وشفاف حول أوجه استخدام القروض السابقة التي حصلت عليها الدولة، ومدى انعكاسها على تحسين المؤشرات الاقتصادية والمعيشية، مؤكدين أن استمرار النهج الحالي في الاقتراض دون تقييم حقيقي للنتائج يمثل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني وعلى الأجيال القادمة.
كما حذر عدد من أعضاء المجلس من أن التوسع في الاقتراض، حتى وإن كان بشروط ميسرة أو من مؤسسات إقليمية، يفرض التزامات مالية مستقبلية ثقيلة على الموازنة العامة للدولة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، مطالبين بإعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو الاعتماد على الإنتاج والاستثمار بدلاً من التمويل بالديون.
وشدد النواب على ضرورة توجيه أي تمويلات أو تسهيلات جديدة إلى مشروعات إنتاجية وتنموية قادرة على خلق عائد اقتصادي حقيقي، بما يسهم في تقليل معدلات الدين العام، وتحسين معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة فرص التشغيل، بدلًا من استمرار تحميل الدولة أعباء مالية طويلة الأجل دون مردود واضح.
وفي سياق متصل، وافق مجلس النواب على تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الاقتصادية، ومكتبي لجنتي الشؤون العربية، والخطة والموازنة، بشأن قرار رئيس الجمهورية رقم 115 لسنة 2026، والمتعلق بالموافقة على زيادة رأس مال صندوق النقد العربي وتعديل بعض مواد اتفاقية تأسيسه، وذلك بعد مناقشات مطولة داخل الجلسة العامة.
وأوضح تقرير اللجنة أن صندوق النقد العربي يُعد أحد أهم المؤسسات المالية العربية، حيث تم إنشاؤه عام 1976 وبدأ ممارسة نشاطه عام 1977، ويضم في عضويته جميع الدول العربية، ويهدف إلى دعم أوجه التعاون والتكامل الاقتصادي العربي، والمساهمة في معالجة الاختلالات في موازين المدفوعات للدول الأعضاء، من خلال تقديم تسهيلات تمويلية بشروط ميسرة، وفترات سداد طويلة، وأسعار فائدة منخفضة مقارنة بالمؤسسات الدولية الأخرى.
وأشار التقرير إلى أن الصندوق يقدم نوعين رئيسيين من التسهيلات الائتمانية، النوع الأول يتعلق بدعم برامج الإصلاح الاقتصادي الكلي للدول الأعضاء، والعمل على تصحيح الاختلالات في موازين المدفوعات، بينما النوع الثاني يركز على دعم الإصلاحات القطاعية، خاصة في مجالات المالية العامة والقطاع المصرفي، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي للدول العربية.
وأضاف التقرير أن رأس المال المصرح به لصندوق النقد العربي عند إنشائه عام 1976 كان يبلغ 250 مليون دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو مليار دولار أمريكي تقريبًا، وقد تمت زيادته عدة مرات لاحقة، كان آخرها في عام 2013، ليصل إلى نحو 1.2 مليار دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 4.9 مليار دولار أمريكي، بينما يبلغ رأس المال المكتتب فيه حاليًا نحو 900 مليون دينار عربي حسابي.
وكشف التقرير أن حصة جمهورية مصر العربية في رأس مال الصندوق تبلغ نحو 88.2 مليون دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 359.36 مليون دولار أمريكي، بعدد أسهم يصل إلى 1764 سهمًا، وهو ما يمثل نحو 9.8% من إجمالي رأس مال الصندوق، لتصبح مصر ثالث أكبر مساهم في الصندوق بين الدول الأعضاء.
كما أوضح التقرير أن الصندوق قدم لمصر منذ عام 1978 وحتى الآن نحو 19 قرضًا وتسهيلًا تمويليًا، بلغ إجماليها نحو 997.63 مليون دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 4 مليارات دولار أمريكي، وهو ما يمثل نحو 32% من إجمالي التسهيلات التي قدمها الصندوق للدول الأعضاء، لتكون مصر بذلك من أكثر الدول العربية استفادة من موارد الصندوق منذ تأسيسه.
وأشار التقرير إلى أن التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية المتلاحقة دفعت مجلس محافظي صندوق النقد العربي خلال اجتماعاته في مايو 2024 إلى الموافقة على زيادة رأس المال المكتتب فيه بقيمة 1.25 مليار دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 5.1 مليار دولار أمريكي، على أن يتم سداد هذه الزيادة على مدار عشر سنوات تبدأ من عام 2026 وتنتهي في عام 2035، مع الحفاظ على نسب مساهمة الدول الأعضاء دون تغيير.
وبموجب هذه الزيادة، يرتفع رأس المال المكتتب فيه للصندوق إلى نحو 2.15 مليار دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 8.7 مليار دولار أمريكي، في حين تتحمل مصر من هذه الزيادة نحو 122.5 مليون دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 498 مليون دولار أمريكي، يتم سدادها على 20 قسطًا نصف سنوي خلال عشر سنوات، بحيث تبلغ قيمة القسط الواحد نحو 24.9 مليون دولار تقريبًا، لترتفع بذلك حصة مصر في رأس مال الصندوق إلى نحو 210.7 مليون دينار عربي حسابي، بما يعادل نحو 856.5 مليون دولار أمريكي.
كما نصت التعديلات الجديدة على اتفاقية تأسيس الصندوق على منح مجلس المحافظين صلاحية تقييم كفاية موارد الصندوق كل خمس سنوات، مع إمكانية تعديل رأس المال المصرح به بقرار من المجلس، بالإضافة إلى إتاحة زيادة رأس المال بموافقة 85% من القوة التصويتية للدول الأعضاء في حال ترتب على ذلك تغيير في المراكز النسبية للتصويت.
وشملت التعديلات أيضًا وضع ضوابط أكثر تشددًا لعمليات الإقراض، من بينها ألا تتجاوز القروض القائمة الممنوحة لإحدى الدول الأعضاء عشرة أمثال قيمة اكتتابها المدفوع أو 20% من موارد الصندوق المتاحة للإقراض، أيهما أقل، إلى جانب عدم تجاوز نسبة الإقراض السنوي للدولة الواحدة ثلاثة أمثال قيمة اكتتابها المدفوع، مع السماح بتجاوز هذه النسب في حالات محددة بقرار من مجلس المديرين التنفيذيين وفق ضوابط معتمدة.
وأكدت اللجنة المشتركة في تقريرها أن الموافقة على زيادة رأسمال صندوق النقد العربي تأتي في إطار دعم الدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم مؤسسات العمل العربي المشترك، وفي مقدمتها صندوق النقد العربي، بما يعكس التزام الدولة بتعزيز التعاون الاقتصادي العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتلاحقة.
وأضافت اللجنة أن زيادة رأس المال ستسهم في تعزيز القدرات التمويلية والفنية للصندوق، وتمكينه من تقديم المزيد من الدعم للدول الأعضاء بشروط ميسرة ومرنة مقارنة بالمؤسسات التمويلية الإقليمية والدولية الأخرى، مشيرة إلى أن ذلك ينعكس إيجابًا على مصر باعتبارها من أكبر المستفيدين من موارد الصندوق، مع إمكانية مضاعفة استفادتها حال الحاجة لذلك مستقبلًا.








.jpeg)


