الدكتور عادل سرايا يكتب :رؤية رئاسية لإصلاح التعليم وربطه بسوق العمل
جاءت تصريحات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة بشأن دراسة اتخاذ ما يلزم للحد من تخريج طلاب في تخصصات لم يعد سوق العمل في حاجة إليها، سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل التعليم في مصر، وكيف يمكن إعادة صياغته بما يتوافق مع احتياجات الدولة وخططها التنموية خلال السنوات المقبلة، وحتى منتصف القرن الحادي والعشرين.
وحتى لا تُفهم هذه التصريحات خارج سياقها الحقيقي أو تأخذ مسارات بعيدة عن المقصود منها، فإن القراءة المتأنية لها تكشف عن مجموعة من الدلالات المهمة التي تتطلب إجراءات عاجلة ومدروسة من جانب الوزارات والجهات المعنية، وفي مقدمتها ضرورة إجراء تغيير جذري في فلسفة التعليم المصري ورؤيته خلال الخمسة والعشرين عامًا القادمة وصولًا إلى عام 2050، بحيث يكون الهدف الأساسي هو بناء الشخصية المصرية السوية المتكاملة، وتعزيز قيم الانضباط والمسؤولية والعمل التعاوني، وترسيخ ثقافة التعلم المستمر لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب توجيه التعليم بشكل أكبر نحو اكتساب المهارات العملية، والاهتمام بالتعليم التكنولوجي والفني والمهني باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لأي نهضة اقتصادية حقيقية.
كما تبرز الحاجة إلى إجراء دراسة واقعية ودقيقة للوظائف والمهن والحرف التي يحتاجها المجتمع المصري في مختلف المجالات والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، على أن يتم ترتيب أولويات هذه الوظائف والمهن والحرف وفقًا لمدى احتياج المجتمع إليها، بحيث تصبح هذه الأولويات مرجعًا أساسيًا في وضع السياسات التعليمية وصياغة البرامج الدراسية.
ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري تطويع وتكييف مناهج الدراسة في مراحل التعليم العام، وكذلك المقررات الجامعية، بما يتوافق مع تلك الوظائف والمهن والحرف، مع التركيز بشكل واضح على التخصصات التي يحتاجها المجتمع فعليًا، بدلاً من الاستمرار في تخريج أعداد كبيرة من الطلاب في تخصصات لا يجد أصحابها فرص عمل حقيقية بعد التخرج.
وتفرض هذه الرؤية أيضًا ضرورة إحداث نقلة نوعية في مكانة التعليم الفني والمهني والحرفي داخل المجتمع، بحيث يتم تعظيم دوره بشكل حقيقي، مع التركيز الكامل على إكساب الطلاب المهارات العملية بمختلف أنواعها، بما يسهم في تلبية احتياجات سوق العمل ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والتوسع.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية نشر ثقافة العمل المهني والحرفي داخل المجتمع من خلال آليات واضحة قابلة للتنفيذ والقياس، وليس مجرد شعارات أو حملات إعلامية شكلية، لأن توفير فرص عمل حقيقية ومناسبة في هذه المجالات سيكون العامل الأهم الذي سيدفع الأسر المصرية إلى تشجيع أبنائها على الالتحاق بالتعليم الفني والمهني والحرفي.
كما تبرز ضرورة إعادة تفعيل مراكز التكوين المهني المنتشرة في مختلف أنحاء الجمهورية، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى أماكن مغلقة لا يستفاد منها ولا يقصدها أحد، رغم ما تمتلكه من إمكانات يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تدريب الشباب وتأهيلهم لسوق العمل.
ومن بين الأفكار التي يمكن أن تسهم في تحقيق هذه الرؤية أيضًا إعادة النظر في فلسفة ودور الجامعة العمالية، بحيث يتم التركيز على بعدين أساسيين، الأول أن تتحول إلى جامعة شعبية تسهم في الحد من الأمية الهجائية وتعليم الكبار، والثاني أن تصبح مركزًا رئيسيًا لاكتساب المهارات المهنية والحرفية التي يحتاجها سوق العمل.
كما يتطلب الأمر تعزيز الربط بين المؤسسات الجامعية من ناحية، والمصانع والشركات والمراكز الحكومية والخاصة من ناحية أخرى، بما يضمن أن تكون العملية التعليمية متصلة بالواقع العملي ومتطلبات الإنتاج والخدمات.
وفي السياق نفسه، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في التوسع الكبير في إنشاء الجامعات الخاصة التي تركز في كثير من الأحيان على كليات ذات طابع اجتماعي أو شكلي مثل الصيدلة والعلاج الطبيعي وطب الأسنان، في حين أن الأولوية يجب أن تكون لإنشاء كليات ومعاهد تكنولوجية وتطبيقية تلبي احتياجات سوق العمل وتسهم في إعداد كوادر قادرة على العمل والإنتاج.
وفي ضوء هذه الرؤية الشاملة، يمكن تصور أن تكون النسب المثالية لتوزيع الطلاب والخريجين في منظومة التعليم المصرية على النحو الذي يحقق التوازن بين احتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية، بحيث يشكل التعليم الحرفي والمهني نحو ستين في المائة من إجمالي الطلاب، ويأتي التعليم الفني بنسبة عشرين في المائة، بينما تمثل مجالات العلوم الأساسية والصحية والتطبيقية والتكنولوجية نحو عشرة في المائة، في حين يخصص نحو سبعة في المائة للعلوم النظرية والدينية، وتبقى نسبة ثلاثة في المائة للباحثين والمفكرين والرواد والكتاب والمبدعين والملهمين الذين يقودون حركة الفكر والثقافة والابتكار في المجتمع.
وبذلك تصبح تصريحات الرئيس نقطة انطلاق لنقاش وطني واسع حول مستقبل التعليم في مصر، وكيف يمكن تحويله إلى قوة حقيقية تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتفتح آفاقًا أوسع أمام الأجيال القادمة.
الكاتب
عضو مجلس جامعة الزقازيق الاهلية




















.jpeg)


