بوابة الدولة
الأحد 27 سبتمبر 2026 07:15 مـ 14 ربيع آخر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
السياحة اليابانية في مصر.. تحركات لتعزيز التعاون ودفع الحركة السياحية طفرة استثمارية بالمنطقة الحرة العامة بمدينة نصر.. 22 مشروعًا جديدًا باستثمارات 193 مليون دولار الزناتى : النقابه تفتح ابوابها لكل معلمى الحصة للعضوية والحصول على جميع الخدمات النقابية السويس تهنئ المملكة العربية السعوديه باليوم الوطني 96 جهاز حماية المستهلك: ضبط 25 ألف عبوة تجميل منتهية الصلاحية بأسيوط 185 ألف طن صادرات غذائية مصرية خلال أسبوع.. سوريا تتصدر قائمة الأسواق المستوردة محافظ القاهرة: سرعة الاستجابة والحفاظ على أرواح المواطنين وتقديم الرعاية الطبية رئيس الوزراء يطمئن على انتظام منظومتي الخبز والسلع التموينية وموقف توافر السلع الأساسية مدبولى يطمئن على انتظام منظومتى الخبز والسلع التموينية وتوافر احتياجات المواطنين رسميًا.. وزارة التعليم تقنن أوضاع معلمي الحصة وتبرم لهم عقودًا موسمية الأهلي يقرر تجديد عقد محمد الشناوي لموسم جديد.. تفاصيل العرض المنتظر بعثة منتخب الجزائر تسافر إلى بوجمبورا بدون آيت نوري وغويري

ممدوح الششتاوي يكتب.. ترام الإسكندرية… تراث لا يُهدم بل يُطوَّر

ممدوح الششتاوي
ممدوح الششتاوي

بعد سنوات ليست بالقليلة، قضيت يومين في مدينة لها مكانة خاصة في قلبي: الإسكندرية. كثيرًا ما حدّثني عنها والدي، رحمه الله، حين كان يدرس في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، عن جمالها، وروعة مبانيها، ومسارحها، ودور السينما الراقية، وتحضّر أهلها. لكن أكثر ما كان يميز الإسكندرية في حديثه هو «الترام» الشهير، الذي ظل شاهدًا حيًا على تاريخها وحضارتها.

لذا استوقفتني بشدة الأحاديث التي سمعتها من بعض الأصدقاء والأقارب عن وجود توجه لإزالة( ترام الإسكندرية)، وهو ما يثير القلق والأسى في آنٍ واحد.

يُعد ترام الإسكندرية واحدًا من أقدم أنظمة النقل الكهربائي في العالم، إذ بدأ تشغيله عام 1898، أي قبل كثير من شبكات الترام في مدن أوروبية وآسيوية كبرى. ولم يكن مجرد وسيلة انتقال، بل أصبح جزءًا أصيلًا من الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمدينة، وشاهدًا حيًا على مراحل تطورها الحديثة وانفتاحها العالمي.

ويمثل الترام وثيقة حية لعصر النهضة العمرانية التي شهدتها الإسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقد ارتبط بمحطات تحمل أسماء أجانب من جنسيات مختلفة — يونانية، إيطالية، فرنسية — عاشوا في المدينة وأسهموا في تشكيل طابعها الكوزموبوليتي الفريد. هذه الأسماء ليست مجرد لافتات، بل شواهد على مرحلة تاريخية جعلت من الإسكندرية مدينة عالمية مفتوحة للثقافات والتجارة والفكر.

اقتصاديًا، يُعد الترام من أقل وسائل النقل تكلفة في مصر، سواء من حيث سعر التذكرة أو تكلفة التشغيل مقارنة بوسائل أخرى. وهو يخدم يوميًا مئات الآلاف من المواطنين، خصوصًا من أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، ويساهم في:

•تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة،

•تخفيف الضغط المروري والانبعاثات،

• دعم النشاط التجاري في المناطق التي يمر بها عبر تسهيل حركة العمال والطلاب والمتسوقين.

كما أن تطوير الترام بدل هدمه يُعد استثمارًا ذكيًا طويل الأجل، لأنه يحافظ على أصل قائم بدل تحميل الدولة تكلفة إنشاء منظومة جديدة بالكامل.

ترام الإسكندرية ليس مجرد وسيلة نقل، بل عنصر من عناصر هوية المدينة، تمامًا مثل الكورنيش، والمكتبات، والمباني التاريخية. عرباته ومساراته التي تخترق أحياء عريقة تمثل تراثًا حضريًا نادرًا في المنطقة العربية، ويمكن — إذا ما أُحسن تطويره — أن يصبح عنصر جذب سياحي وثقافي، كما هو الحال في مدن مثل لشبونة، وسان فرانسيسكو، وبراغ.

وتؤكد التجارب العالمية أن الحفاظ على أنظمة النقل التاريخية مع تحديثها تقنيًا يحقق معادلة ناجحة بين:

•الكفاءة الحديثة (سرعة، أمان، انتظام)،

•القيمة التراثية (الهوية والذاكرة الجمعية)،

•العائد الاقتصادي (سياحة، استدامة، وانخفاض تكاليف التشغيل على المدى البعيد).

إن هدم ترام الإسكندرية يعني خسارة جزء من تاريخ المدينة لا يمكن تعويضه، بينما تطويره يعني تحويله إلى نموذج للنقل الحضري المستدام الذي يجمع بين الماضي والمستقبل.

ترام الإسكندرية ليس مجرد خطوط حديدية وعربات قديمة، بل هو شريان حياة اجتماعي، وذاكرة مدينة، وأصل اقتصادي مستدام. الحفاظ عليه وتطويره هو حفاظ على روح الإسكندرية نفسها — مدينة التعدد، والانفتاح، والتاريخ المتحرك. إن صون هذا التراث وتحديثه ليس ترفًا، بل واجب حضاري واقتصادي تجاه الأجيال القادمة.