حين يصبح الصمت شريكًا في الغلاء، ماذا قال حسين مؤنس عن رقابة الأسعار في رمضان؟
في مجلة «الاثنين»، ومع حلول شهر رمضان عام 1948، كتب الأديب الدكتورحسين مؤنس ــ صهر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1911–1996) ــ مقالًا لافتًا بعنوان «نستاهل»، تناول فيه قضية الرقابة على الأسعار بلهجة نقدية جريئة.
تساءل مؤنس ساخرًا: من قال إن هناك رقابة على الأسعار؟ وأين هي هذه الرقابة إن كانت موجودة فعلًا؟ مؤكّدًا أنها قد تكون قائمة بالفعل، لكنها لا تعلن عن نفسها، ولا يشعر المواطن بدورها، وربما تكون في خدمته، لكنه لا يسعى للاستفادة منها.
ويقول حسين مؤنس: أنا المستهلك المظلوم، أنا من يدفع الأسعار مضاعفة ويضغط على نفسه ليواصل العيش، ثم نلقي باللوم على الرقابة. ويتساءل: ماذا نريد منها أن تفعل؟ هل ننتظر أن تُجبر التجار على الالتزام بالتسعيرة؟ وهل قصّرت فعلًا؟ وهل حدث أن وجد أحدنا سلعة تُباع بسعر أعلى من المقرر، فتوجه إلى الشرطة وحرر شكوى؟ ثم يجيب ساخرًا على لسان المستهلك: «وهل لدي وقت لأفعل ذلك؟».
الرقابة تبدأ من المواطن
ويؤكد مؤنس أن الرقابة لن تتدخل طالما يشتري الناس السلع بأسعار مبالغ فيها دون شكوى، داعيًا إلى تجربة واحدة فقط لتقديم بلاغ، مشددًا على أن أثرها سيكون حاسمًا. ويستشهد بتجربة شخصية خاضها بنفسه، وأثبتت له أن الشكوى قادرة على ردع المخالفين.
التاجر حين يُسأل يرتعد
ويروي أنه ذات يوم أخبره أحد التجار أنه لا يبيع رطل الفراخ إلا بأربعة عشر قرشًا، وقال ذلك بثقة وغطرسة كأنه الحاكم بأمر الله». فتركه مؤنس وعاد ومعه شاويش، وما إن رآه التاجر حتى تبدل حاله، وأقسم بالأيمان المغلظة أنه لا يبيع الرطل إلا بعشرة قروش، مستشهدًا بالرسول الكريم. ولم يفوّت مؤنس الفرصة، فاشترى عشرين رطلًا دفعة واحدة، وطلب تحرير إنذار للتاجر، وهو ما تم بالفعل.
تجار السوق السوداء جبناء
ويقسم حسين مؤنس أن هؤلاء التجار جبناء، وأن من يخالف التسعيرة ويسرق الناس لا يصمد أمام المواجهة. ويضيف أنه بعد تلك الواقعة، أصبح التاجر يقف له احترامًا كلما رآه، إذ بات أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الالتزام بالتسعيرة أو غلق المحل.
ويرى مؤنس أن المشكلة الحقيقية فينا نحن، لأن شراء السلع بأعلى من سعرها إذلال للنفس. ويتساءل: لماذا لا يبادر الشباب بتشكيل لجان شعبية في كل شارع، تكون مهمتها إلزام التجار باحترام التسعيرة ومحاربة السوق السوداء؟ لجنة تطوعية يكون لها مندوب في كل شارع، يجتمع دوريًا بالسكان، ويوزع عليهم التسعيرة الرسمية، ويتفق الجميع على مقاطعة التاجر المخالف، وإبلاغ الشرطة أو اللجنة المركزية حال تعنته.
لا حكومة تفعل كل شيء
ويخاطب مؤنس القارئ قائلًا: لا توجد في الدنيا حكومة تقوم بكل شيء وحدها، بل لا بد من تعاون الناس مع السلطة. فالتاجر الذي يبيع بأكثر من السعر المحدد يسرقك علنًا، وهل الجندي المكلّف بحراسة بيتك ليلًا مطالب بأن يطرق بابك ليسألك إن كان هناك لص؟ فلماذا ننتظر من الحكومة أن تسألنا عن كل تاجر مخالف؟
ويشدد على أن المشكلات لا تُحل بالكلام، بل بالإجراءات العملية التي تحتاج إلى شجاعة وهمّة. فإذا كان في شارعنا جزار يخالف التسعيرة، فلماذا لا نجتمع ونتفق على عدم الشراء منه إلا بالسعر المحدد، بل ونمتنع عن شراء اللحم تمامًا حتى نكسر عناده؟
قوة الحكومة من قوة الشعب
ويختتم حسين مؤنس مقاله بالتأكيد على أن ضعفنا هو السبب، لأننا نخضع للظلم برضا، ونطالب الحكومة أن تفعل كل شيء، وكأن عليها أن تضع حارسًا على كل متجر. فـ«قوة الحكومة من قوة المحكومين، وقوه القانون من الشعب الذي وضعه».
وينهي دعوته قائلًا: نحن متساهلون، لبقون، ثرثارون… فلنحترم أنفسنا، ولنقف في وجه المخالف، ونجبره على احترام القانون.






















