محمد البشاري: التحديات الراهنة تستلزم خطابًا دينيًا يجمع بين الثوابت والواقع
أكد الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس الأعلى للمجتمعات المسلمة، أن ما يُعرف بـ«آية السيف» لا يجوز التعامل معها باعتبارها شعارًا أو أداة لتبرير العنف، بل يجب فهمها بوصفها نصًا قرآنيًا محكومًا بسياقه التاريخي وشروطه وضوابطه الشرعية، التي تمنع التسلط على القرآن باسم القرآن.
جاء ذلك خلال ندوة فكرية لمناقشة كتابه «آية السيف.. نص في سياق أم ذريعة في صراع؟ تجديد رؤية الفقيه للعالم والإنسان»، بمشاركة الدكتور عمرو ورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، والدكتور عبدالله النجار ، عضو مجمع البحوث الإسلامية، وبحضور الدكتو محمود الهباش، قاضي قضاة فلسطين، حيث أوضح أن الإشكالية ليست في الآية ذاتها، وإنما في توظيفها خارج سياقها وتحويلها إلى مرجع لفقه العنف، مع إغفال عشرات الآيات المؤسسة لقيم السلم والعدل والوفاء بالعهود.
وأشار البشاري إلى أن الكتاب لا يناقش قضية تاريخية منتهية، بل يطرح سؤالًا معاصرًا يتعلق بكيفية تشكّل عقلانية الفقيه عند التماس بين النص والواقع، خاصة في ظل عالم تتسارع فيه الصراعات وتُستدعى فيه النصوص الدينية لتبرير العنف، في مقابل تراجع الجهد العلمي النقدي القادر على التفكيك وإعادة النص إلى بنيته الكلية.
وبيّن الأمين العام للمجلس الأعلى للمجتمعات المسلمة أن الكتاب يتناول معادلة السلم والحرب في الإسلام، موضحًا أن القتال في التصور الإسلامي ليس أصلًا في العلاقة مع الآخر، وإنما استثناء تحكمه شروط العدوان ونقض العهد والحرابة، ولا يُشرع بعموم الناس أو لمجرد الاختلاف الديني.
وأوضح أن من أخطر الإشكالات الشائعة الاعتماد على منطق النسخ الاستسهالي، الذي يمنح «آية السيف» سلطة إلغاء آيات السلم والقسط، دون تحقق علمي لشروط النسخ أو نظر في أسباب النزول وتدرج التشريع، مؤكدًا أن النسخ صناعة برهانية دقيقة وليست هوى تأويليًا.
كما شدد البشاري على أن القراءة المتوازنة للنصوص القرآنية ترفض منطق الغلو الذي يحول النص إلى أداة قتال مطلق، كما ترفض في الوقت ذاته منطق التفريط الذي ينزع النص من مجاله بالكامل، لافتًا إلى أن الفقه الرشيد يقوم على تحقيق المناط، وربط الأحكام بالوقائع الفعلية من عدوان أو سلم أو عهد قائم.
وأشار إلى أن الكتاب يطرح بديلاً فقهيًا معاصرًا، يعيد الاعتبار لقيم السلم والعدل، وينتقد التقسيمات التاريخية الجامدة مثل «دار الإسلام» و«دار الحرب»، مقترحًا مقاربة مقاصدية تقوم على مفهوم «دار التعارف»، بما ينسجم مع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة القائمة على المواثيق والعهود.
واختتم الدكتور محمد البشاري بالتأكيد على أن المعركة الحقيقية ليست حول آية بعينها، بل حول منهج الفهم، داعيًا إلى إعادة ميزان القراءة الفقهية إلى وقاره، بحيث تكون القوة في موضعها لرد العدوان لا لابتدائه، ويظل السلم هو الأصل الجامع، والعدل هو الضابط الحاكم لكل علاقة إنسانية.
























