محمد خليفة يكتب: عندما يقود التخطيط إلى نتائج عكسية
يفترض أن التخطيط داخل المؤسسات هو الضامن للاستقرار والوسيلة التي تقلل المفاجآت وتحكم السيطرة على الفوضى اليومية التي تفرضها المهنة لكن الواقع كثيرًا ما يكشف مفارقة قاسية فالتخطيط حين يمارس بعقلية جامدة ومنفصلة عن المخاطر يصبح هو ذاته مصدر الارتباك لا يبدأ الخلل من غياب الخطط بل من الإيمان المبالغ فيه بها وكأن وجودها وحده كفيل بحماية المؤسسة من الخطأ أو تأجيل الأزمات إلى أجل غير مسمى.
حيث ينظر إلى التخطيط داخل المؤسسات بوصفه علامة نضج إداري ودليلا على السيطرة والقدرة على التنبؤ فكلما ازدادت الخطط تفصيلا بدا المشهد أكثر اطمئنانا غير أن التجربة العملية تكشف وجهًا آخر أقل راحة إذ قد يتحول التخطيط من أداة تنظيم إلى سبب مباشر في التعثر حين يمارس بعقلية جامدة تتعامل مع الواقع باعتباره ثابتا لا متغيرًا.
تبدأ المشكلة عندما تنفصل الخطط عن الحياة اليومية للمؤسسة تكتب الوثائق بعناية، وتحدد المسارات وترسم السيناريوهات، لكن دون أن يترك هامش كاف للاختلاف أو الخطأ ومع الوقت تصبح الخطة مرجعا أعلى من الواقع نفسه ويقاس النجاح بمدى الالتزام بما كتب لا بقدرة المؤسسة على التكيف هنا يفقد التخطيط وظيفته الأساسية ويبدأ في إنتاج نتائج عكسية لأن المؤسسة تتحرك وفق افتراضات لم تعد موجودة.
في هذا السياق يظهر ضعف إدارة المخاطر كأحد أبرز أسباب الانهيار الصامت كثير من المؤسسات تخطط لما تريد تحقيقه لا لما قد تخسره تهمل التفكير في الاحتمالات غير المرغوبة وتتعامل مع المخاطر باعتبارها طوارئ نادرة لا عناصر دائمة الحضور وعندما يتغير السياق الاقتصادي أو تظهر أزمة مفاجئة أو ينهار أحد الافتراضات الأساسية تفاجأ المؤسسة بأن خططها لا تحتوي على إجابات بل تزيد من حالة الشلل.
ومع تصاعد الضغوط يتسلل التوتر إلى الداخل الموظفون يجدون أنفسهم بين واقع يفرض حلولا سريعة وخطط لا تسمح إلا بمسار واحد تتراجع مساحة المبادرة ويصبح الاجتهاد مخاطرة ويعاد تعريف الخطأ على أنه خروج عن الخطة لا محاولة تصحيح في هذا المناخ لا يدار العمل بل يدار القلق وتتحول المؤسسة تدريجيا إلى كيان دفاعي يخشى الحركة أكثر مما يسعى إلى التقدم.
هذا التوتر لا يتوقف عند حدود الأفراد، بل ينعكس على بنية المؤسسة كلها القرارات تتأخر والتواصل يضعف تفضل الحلول الآمنة شكليا حتى لو كانت غير فعالة على الخيارات الصعبة التي تتطلب شجاعة إدارية وهكذا بدلا من أن يكون التخطيط أداة لتقليل المخاطر يصبح سببًا في تضخيمها لأن المؤسسة تفقد قدرتها على التفاعل الطبيعي مع المتغيرات.
كما ان المفارقة فى المؤسسات التي تعاني من هذه الأزمة لا تعاني من نقص التخطيط بل من الإفراط فيه دون مرونة تخطيط لا يعترف بأن الفشل احتمال ولا يرى في التوتر إشارة إنذار بل تهديدا يجب كتمه تخطيط يقدس الوثيقة وينسى الإنسان ويثق في الجداول أكثر من الخبرة المتراكمة داخل الفرق.
عندما يقود التخطيط إلى نتائج عكسية فذلك لأن المؤسسة سعت إلى اليقين في عالم لا يمنحه الحل لا يكمن في التخلي عن التخطيط بل في إعادة تعريفه تخطيط يسمح بالتعديل ويضع إدارة المخاطر في القلب لا الهامش ويمنح العاملين مساحة للتصرف حين يتغير الواقع فالمؤسسات لا تنهار حين تخطئ بل حين تصر على السير في طريق لم يعد صالحا فقط لأن الخطة قالت ذلك.
كاتب المقال: محمد خليفة... مستشار التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر












