بوابة الدولة
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 08:09 مـ 9 ربيع آخر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
وزير النقل يقدم التهنئة لسفير المملكة العربية السعودية بالقاهرة بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للمملكة المستشار أسامةالصعيدي: إعلان الشاهد فى قانون الإجراءات الجنائيه الجديد هاتفيا وإلكترونيا. ضياء رشوان: مكمن الخطر الحقيقي يتمثل في اهتزاز «شعور الانتماء» لدى الفرد خلاف على «ولاعة» ينتهي بمشاجرة وضبط 5 أشخاص في بدر وزير الخارجية الأمريكي: منفتحون على عقد لقاء مع إيران في الأمم المتحدة العاهل السعودي: محاولة ميليشيا الحوثي تكرار استهداف مكة المكرمة جرم مشين وانتهاك لحرمة المقدسات اعتماد 50% من مستحقات المعلمين.. قرارات جديدة في اجتماع مهم بوزارة التعليم ”المالية” تُطلق حزمة التسهيلات الضريبية الثانية وتُكافئ الممولين الملتزمين بـ ”كارت تميز” ضمن مبادرة خفض الأسعار.. التموين تضخ 12 سلعة أساسية بـ 7 فروع استهلاكية في القليوبية حياة مصر تُطلق المرحلة الجديدة من مبادرة ”تربطنا الحياة” لمولفيكس بالتعاون مع الجمعية المصرية لطب الأطفال وزارة الصحة تفتح باب التقديم لتعيين الكفاءات بقطاع الطب الوقائى والصحة العامة المديريات التعليمية توجه بتفعيل لائحة الانضباط

المستشار محمد سليم يكتب: مخيون والغيطي.. بين تاريخ فني عظيم ونبش لا يليق بالراحلين

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

في لحظة الرحيل تسقط الخلافات، وتخفت الضوضاء، وتبقى الأعمال وحدها شاهدة على أصحابها. وعندما يغادر فنان كبير بحجم عبد العزيز مخيون دنيانا، فإن ما يجب أن يبقى حاضرًا أمام الجميع هو تاريخه الفني الممتد لعقود طويلة، لا تفاصيل شخصية طواها الزمن، ولا معارك قديمة انتهت برحيل أصحابها.

لهذا شعرت، كما شعر كثيرون من محبي الفنان وأصدقائه وجمهوره، بالدهشة والحزن مما تناوله الإعلامي محمد الغيطي في برنامجه على قناة الشمس، حين انصرفت الحلقة إلى نبش صفحات من الحياة الشخصية للفنان الراحل واستدعاء خلافات ومعارك صحفية مضى عليها الزمن، وكأن عبد العزيز مخيون لم يترك وراءه تاريخًا فنيًا كبيرًا يستحق التقدير والاحتفاء.

ولم يكن هذا الغضب قاصرًا على الجمهور فقط، بل امتد إلى المؤسسات المعنية بتنظيم المشهد الإعلامي والفني، فقد انتفض المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تجاه ما ورد في الحلقة، وقرر التحقيق في الوقائع المثارة، كما طالب القناة بحذف الحلقة محل الجدل، في تأكيد واضح على خطورة ما تضمنه المحتوى من تجاوزات أثارت الرأي العام.

كما تقدمت نقابة المهن التمثيلية بشكوى ضد الإعلامي محمد الغيطي، دفاعًا عن كرامة فنان راحل ترك بصمة كبيرة في تاريخ الفن المصري، ورفضًا لتحويل سيرته إلى مادة للجدل بعيدًا عن إنجازاته الفنية التي يعرفها الجميع.

وهنا يبرز السؤال الذي لم أجد له إجابة حتى الآن: لماذا اختزل الغيطي تاريخ عبد العزيز مخيون في خلافات شخصية قديمة؟ ولماذا تجاهل مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن بين المسرح والسينما والدراما التلفزيونية؟

أين الحديث عن الفنان الذي شارك في أعمال سينمائية خالدة مثل "الكرنك" و"إسكندرية ليه" و"حدوتة مصرية" و"البريء" و"الهروب" و"دم الغزال" و"دكان شحاتة"؟ وأين الحديث عن الممثل الموهوب الذي أبدع في "ليالي الحلمية" و"الشهد والدموع" و"بوابة الحلواني" و"خالتي صفية والدير" و"زيزينيا" و"أم كلثوم" و"الجماعة" وواصل حضوره المتميز في "البرنس" و"جزيرة غمام" و"سوق الكانتو"؟

أين الحديث عن الفنان المثقف الذي درس المسرح أكاديميًا، وأسس مسرح الفلاحين في قريته، وآمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة؟ وأين الحديث عن الإنسان الذي عرفه زملاؤه ومحبوه بالهدوء والاحترام والالتزام؟

لقد كان المشاهد ينتظر حلقة توثق رحلة فنان كبير، وتستعرض محطات نجاحه وإبداعه، وتقدم للأجيال الجديدة نموذجًا لفنان عاش للفن وأخلص له، لكنه فوجئ بفتح ملفات شخصية لا تضيف إلى تاريخ الرجل شيئًا، ولا تنقص منه شيئًا.

إن الراحلين لا يحتاجون إلى محاكمات جديدة بعد رحيلهم، بل يحتاجون إلى الإنصاف. يحتاجون إلى من يتحدث عن عطائهم، لا عن خلافاتهم، وعن إبداعهم، لا عن أسرارهم. فالموت ليس مناسبة لتصفية الحسابات، وإنما لحظة إنسانية تستوجب الرحمة والاحترام.

رحل عبد العزيز مخيون إلى جوار ربه، وأغلق خلفه أبواب الدنيا بكل ما فيها من صراعات وخلافات، لكن أعماله الفنية ما زالت حية بيننا، تعرض على الشاشات، وتعيش في ذاكرة الملايين، وتشهد على موهبته وإبداعه. أما المعارك القديمة فقد دفنها الزمن منذ سنوات طويلة، فلماذا نعيد إحياءها اليوم؟

لقد صدق القول الكريم: "اذكروا محاسن موتاكم"، لأن أعظم الوفاء للراحلين هو الحفاظ على كرامتهم، وأصدق تكريم للفنان هو الاحتفاء بما تركه من فن وإبداع، لا البحث في تفاصيل شخصية لا يملك صاحبها الآن أن يرد عليها أو يدافع عن نفسه بشأنها.

ويبقى عبد العزيز مخيون فنانًا كبيرًا في ذاكرة الوطن، بينما تبقى الأعمال الخالدة أقوى من أي جدل، وأبقى من أي خلاف، وأصدق من أي رواية عابرة.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

موضوعات متعلقة