بوابة الدولة
الخميس 24 سبتمبر 2026 09:59 مـ 11 ربيع آخر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
الجريدة الرسمية تنشر موافقة الرئيس السيسى على ملحق تفسيرى لاتفاق مقر الجامعة العربية بقرار جمهورى..د. تامر مدكور رئيسا للتأمين الصحي رئيس جامعة أسيوط يشهد فعاليات معسكر التدريب الصيفي للعام التدريبي 2026/2027 نائب رئيس جامعة أسيوط لشئون الدراسات العليا والبحوث يتفقد أعمال الدورة التدريبية وزير الخارجية: مصر تقدر قرار بريطانيا حظر تجارة سلع وخدمات مستوطنات إسرائيل تحركات مكثفة لشعبة المحررين البرلمانيين لتعزيز التعاون مع الحكومة وتجديد بروتوكولات العمل عباس يطالب بمنح فلسطين عضوية كاملة بالأمم المتحدة: شعبنا لا يقبل بالتهجير وزير الخارجية يؤكد ضرورة ضمان النفاذ الإنسانى المستدام إلى غزة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستقبل نظيره الصيني فى البيت الأبيض الرئيس الفلسطينى: الاحتلال يمارس إرهاب دولة قائم على التطهير العرقى لأول مرة منذ انطلاقه.. الجونة السينمائي يصبح صديقًا لذوي الإعاقة بمنحدرات ولغة إشارة الطقس غدا.. فرص أمطار ورياح واضطراب بالملاحة والعظمى بالقاهرة 32 درجة

الدكتورة شاهيناز عبد الكريم تكتب: أدونيس: نار لا تنطفئ

الدكتورة شاهيناز عبدالكريم
الدكتورة شاهيناز عبدالكريم

حين يتجاوز الشعر حدود البلاغة، ويصبح فعلًا كونيًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان واللغة، يظهر اسم أدونيس كواحد من أعظم من لمسوا جوهر الحرف، وأعادوا له روحه.
أدونيس ليس مجرد شاعر. إنه مشروع ثقافي وفكري كامل، أعاد تعريف اللغة العربية من جذورها، لا بوصفها أداة، بل ككائن حيّ، يتنفس المعنى، ويتمدد في الوعي، ويولد الأسئلة بدل أن يقدّم الإجابات.
⁠"الحرف عندي ليس مجرد علامة، بل هو عالم ينبض بالمعنى، ويمتد إلى الوعي ككل." — أدونيس
منذ بداياته، لم يكن أدونيس يكتب ليحاكي التقاليد، بل ليصدمها، ويكسرها، ويقترح بدائلها. لم تكن القصيدة عنده زخرفًا لغويًا، بل صراعًا داخليًا، رحلة نحو الذات، وتمرّدًا على الثبات. عبر لغته المكثفة، وصوره الغرائبية، ورؤاه الفلسفية، حوّل القصيدة العربية إلى فضاء مفتوح للتأمل والتجريب والدهشة.
في إحدى قصائده يقول:
⁠"أُعلّم قلبي أن يمشي على البحر،
أن ينام على الريح،
أن يُصغي إلى الحجر حين يتكلم،
وأن يرى الله في كل شيءٍ يُضيء ويغيب."
هنا لا نجد شاعرًا فقط، بل صوفيًّا حديثًا، يرى العالم بعين الروح، ويصوغ اللغة كما لو كانت دعاءً غير معلن، أو محاولة للإمساك بما لا يُقال.
ما فعله أدونيس باللغة لا يُقاس بميزان الأوزان والقوافي، بل بثقله في إعادة الاعتبار للغة كأداة تفكير. لقد وسّع أفق الشعر العربي ليشمل الفلسفة، والمجاز، والوجود، والحرية، فصار شعره مرآة لتحوّلات الذات والكون.
ومع كل هذا العطاء، لم ينل نوبل. رُشّح كثيرًا، لكنه لم يُتوّج. لكن الحقيقة أن هذا لم يخصم من قيمته شيئًا، بل كشف عن ضيق أفق الجوائز أمام المبدعين الذين لا يكتبون على مقاسات لجان التحكيم. وعلى الرغم من ذلك، نال جائزة "غوته" الألمانية عام 2011، تكريمًا لمسيرته الثرية.
إن أهمية أدونيس لا تتوقف عند حدود القصيدة، بل تمتد إلى مساهماته الفكرية في نقد التراث، وتفكيك البنية الفكرية للثقافة العربية، وفتح باب السؤال على مصراعيه: من نحن؟ وما الذي يمكن أن نكونه؟ وهل يمكن أن تتحرر اللغة لتصبح صوتًا إنسانيًا كونيًا؟
لقد أعاد أدونيس للعربية مكانتها كوسيلة تفكير، وكرّس الشعر العربي كجسر بين الحلم والحقيقة، بين الذات والعالم. وما فعله بالحرف العربي هو أشبه بإعادة خلق، لا كتابة فقط.
في زمن يتهدد فيه اللسان العربي بالتهميش، يجيء أدونيس كصوت يقاوم النسيان، وككلمة تتجدّد، لا تنكسر. وكأن مشروعه الشعري بأكمله يقول: إن لم نُجدّد اللغة، فسنفقد الطريق إلى أنفسنا.
أدونيس لا يشيخ. لأنه لا ينتمي إلى زمنٍ واحد. بل هو صوتٌ ممتد، ينادي من عمق الحرف، ويشعل في اللغة نارًا لا تنطفئ.