محمد طرابيه يكتب : مأساة 7 آلاف متفوق في الأزهر تكشف أزمة الماجستير والدكتوراه في مصر
من مأساة عمرها 10 سنوات يعيشها 7 آلاف من أوائل كليات جامعة الأزهر، تبدأ الحكاية. خريجون حصلوا على تقدير "امتياز" وكان حلمهم التعيين معيدين بالجامعة، لكن الجامعة ترفض تعيينهم بحجة عدم وجود درجات مالية، ورغم أن عدداً منهم حصل على الماجستير وآخرين حصلوا على الدكتوراه، إلا أنهم ما زالوا بلا عمل يتناسب مع تفوقهم، وقرر بعضهم رفع دعاوى قضائية ضد الجامعة.
هذه المأساة ليست خاصة بجامعة الأزهر وحدها، بل هي صورة مصغرة لأزمة أكبر تعيشها الجامعات المصرية كل عام. فكل سنة تمنح الجامعات المصرية عشرات الآلاف من شهادات الماجستير والدكتوراه في مختلف التخصصات، لكن الغالبية العظمى من الحاصلين عليها لا يجدون مكاناً لهم في الجامعات أو مراكز البحث.
المشكلة أننا أصبحنا نتعامل مع الماجستير والدكتوراه كشهادة للوجاهة الاجتماعية فقط، وليس كأداة لحل مشاكل المجتمع. آلاف الرسائل تناقش سنوياً في قاعات الجامعات، وتضم مقترحات وتوصيات مهمة، لكنها في النهاية توضع على الأرفف في مكتبات الكليات ويعلوها التراب، دون أن يستفيد منها أحد.
والأخطر أن معظم هذه الرسائل تتناول موضوعات نظرية مكررة، بعيدة عن احتياجات سوق العمل الحقيقية. فما فائدة رسالة دكتوراه عن موضوع نظري تمت مناقشته عشرات المرات من قبل؟ بينما سوق العمل يحتاج إلى تخصصات دقيقة في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وتحلية المياه والزراعة الحديثة وإدارة الأزمات.
لذلك أصبح من الضروري أن يكون هناك ربط حقيقي بين الدرجات العلمية التي تمنحها الجامعات وبين احتياجات سوق العمل وخطة الدولة للتنمية. لا يمكن أن نستمر في منح آلاف الشهادات في تخصصات مشبعة بينما هناك عجز في تخصصات أخرى حيوية.
ونقترح هنا تشكيل لجنة عليا دائمة لمراجعة رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات المصرية سنوياً، تكون مهمتها ليس فقط تقييم الرسائل علمياً، بل بحث كيفية الاستفادة العملية منها. هذه اللجنة يمكنها تصنيف الرسائل الجادة وتحويل توصياتها إلى جهات التنفيذ، سواء وزارات أو محافظات أو هيئات صناعية، حتى لا تضيع الجهود هباء.
والأهم من ذلك، ضرورة وضع خريطة عمل واضحة قبل تسجيل الرسالة، بحيث يحدد الطالب المشكلة التي سيحلها وكيف سيستفيد المجتمع من بحثه، وأن تكون هناك موافقة من جهة مستفيدة على موضوع الرسالة.
وفي نفس السياق، لا يمكن أن نتجاهل الكارثة الأخرى وهي انتشار الكيانات الوهمية وصفحات التواصل الاجتماعي وبعض الجمعيات الأهلية التي تمنح شهادات ماجستير ودكتوراه وهمية مقابل مبالغ مالية، وتستخدم كوسيلة للنصب والابتزاز ومنح الألقاب المزيفة. هذه الكيانات تشوه قيمة الدرجة العلمية الحقيقية وتساوي بين من تعب لسنوات وبين من اشترى الشهادة ببضعة آلاف من الجنيهات.
لذلك نطالب باتخاذ إجراءات حازمة لمواجهة هذه الكيانات، من خلال حصرها وإغلاقها وتغليظ العقوبات على القائمين عليها، مع نشر قائمة معتمدة بالجامعات والجهات الرسمية فقط التي يحق لها منح الدرجات العلمية.
إن قضية 7 آلاف متفوق في الأزهر يجب أن تكون جرس إنذار لنا جميعاً لإصلاح منظومة الدراسات العليا في مصر، حتى لا نضيف كل عام آلاف العاطلين بشهادات عليا لا تجد من يقدرها.














