محمد طرابيه يكتب : دواء المصريين ليس سلعة
لم يكن طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب سمير البيومي مجرد إجراء برلماني عابر، بل كان صفعة دستورية على وجه هيئة الدواء المصرية، وفضحا لسياسة تدار بها صحة 120 مليون مصري بعقلية التاجر لا بعقلية الطبيب.
الهيئة أصدرت القرار رقم 480 لسنة 2026 لتضع آلية تسعير جديدة للدواء، آلية تقول بصراحة: سنحاسب المصري الفقير بأسعار أوروبا، وسنقارن جنيهه المنهك بيورو برلين وباريس. فهل هذا هو الدستور؟ .
المادة 18 من دستور 2014 واضحة كالشمس: "لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة". والدواء هو جوهر هذا الحق. فعندما تصدر هيئة حكومية قرارا يفتح الباب لزيادة جديدة في أسعار الدواء، وهي تعلم أن المواطن يئن بالفعل من جنون أسعار الدواء ونواقصه في الصيدليات، فهي لا تخالف قرارا إداريا، هي تخالف الدستور نفسه.
وهنا الكارثة الأخطر التي كشفها طلب الإحاطة: من الذي وضع هذه المعايير؟ .
المعلومات المتداولة داخل سوق الدواء تشير إلى أن من يعبث بملف التسعير اليوم هم غير مؤهلين ومعدومو الخبرة في اقتصاديات الدواء الحقيقية.
أشخاص تمت الاستعانة بهم من خارج الكوادر الوطنية المتخصصة التي أفنت عمرها في هيئة الدواء، أشخاص لا يعرفون الفرق بين تسعير المستحضر الأصيل والبديل، ولا يفهمون ظروف السوق المصري، فقرروا ببساطة استبعاد الدول المشابهة لنا اقتصاديا واجتماعيا، والإبقاء على دول أوروبية غنية لا علاقة لنا بها، لتكون هي المرجعية السعرية.
أي عبث هذا؟
كيف نحتكم لسعر الدواء في ألمانيا ومتوسط دخل المواطن هناك 3000 يورو، بينما نحذف من القائمة دولا عربية وأفريقية تشبهنا في الدخل والظروف؟ الإجابة كشفها النائب بوضوح: القرار استجابة فجة لضغوط شركات ومصانع الأدوية التي تتعامل مع مصر كـ "سوق كبير" يجب حلب أرباحه، وليس كشعب يجب علاجه.
لقد ادعت الشركات دوما أن المواد الخام غالية وتكاليف الإنتاج مرتفعة، لكن هل تجرأت هيئة الدواء مرة واحدة على فتح ميزانيات هذه الشركات؟ هل حققت خسائر فعلا أم تحقق أرباحا بالمليارات على حساب دم المرضى؟ لم يحدث. لأن من وضع القرار 480 لا يملك الجرأة ولا الخبرة لمحاسبة الشركات، فاختار الطريق الأسهل: تحميل الفاتورة على المواطن.
والسؤال الأخطر: أين توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي المستمرة بضرورة التخفيف عن المواطن وحماية محدودي الدخل؟ . هل يعقل أن تكون الدولة كلها في واد يسعى للتخفيف، وهيئة الدواء في واد آخر يسعى للإرهاق؟ .
لقد أصاب النائب البيومي عندما قال إن من أصدروا القرار يفتقدون للمسؤولية السياسية.
فالتوقيت نفسه يكشف انعدام الخبرة. في ظل أزمة اقتصادية عالمية وغلاء معيشة خانق، تصدر قرارا يزيد الرعب من أسعار الدواء؟.
القضية اليوم لم تعد قضية تسعير، بل قضية دستور ينتهك، وكفاءات مهمشة، ومعدومي خبرة يقررون مصير صحة المصريين.
المطلوب ليس مناقشة طلب الإحاطة في لجنة الصحة فقط، بل فتح تحقيق فوري: من هم هؤلاء الذين وضعوا معايير القرار 480؟ ما هي مؤهلاتهم؟ وما علاقتهم بشركات الدواء؟ .
صحة المصريين فوق كل اعتبار، وفوق كل شركة، وفوق كل خبير مزيف جاء بلا خبرة ليجرب وصفته في أجسادنا.













