محمد طرابيه يكتب :تحويلات المصريين في الخارج.. ثروة قومية تحتاج إلى استراتيجية جذب مستدامة
أعلن البنك المركزي المصرى بيانا بالغ الأهمية، كشف أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج سجلت خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2026 نحو 33.9 مليار دولار، مقابل 26.6 مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضي، بنسبة نمو 27.2%. كما ارتفعت تحويلات شهر أغسطس وحده إلى 4.2 مليار دولار بزيادة 21.7%.
هذا الرقم ليس مجرد رقم في نشرة اقتصادية، بل هو رسالة ثقة من 14 مليون مصري في الخارج في وطنهم واقتصادهم، وهو اليوم المصدر الأول والآمن للعملة الصعبة، متفوقا على السياحة وقناة السويس والتصدير مجتمعين في قدرته على توفير السيولة الدولارية السريعة والمستدامة.
والسؤال الآن: كيف نحافظ على هذه الطفرة ونحولها من حالة مؤقتة مرتبطة باستقرار سعر الصرف إلى قاعدة صلبة ومستدامة؟.
إن المصري في الخارج مواطن عقلاني، يقارن بين القناة الرسمية والسوق الموازية، ويحتاج إلى ميزة ملموسة لا إلى شعارات.
ولذلك أطرح خمسة مقترحات عملية قابلة للتنفيذ الفوري:
*أولا: شهادة ادخار دولارية تنافسية باسم "شهادة الوطن"*
على البنوك الوطنية طرح شهادة دولارية خاصة بالمغتربين فقط، بعائد يتراوح بين 7% و 8% سنويا، مع إعفاء كامل من الضرائب، وميزة إضافية وهي إمكانية تحويل العائد الشهري لأسرته داخل مصر بالجنيه المصري بسعر تفضيلي. هذه الشهادة ستحول التحويل من مصروف استهلاكي إلى استثمار آمن.
*ثانيا: توسيع فلسفة مبادرة سيارات المغتربين*
لقد نجحت مبادرة سيارات المصريين في الخارج نجاحا كبيرا لأنها قدمت ميزة حقيقية. لماذا لا نوسع هذه الفلسفة؟ نقترح ربط انتظام التحويل عبر القنوات الرسمية بحزمة حوافز، مثل خصم 15% على أراضي الإسكان المتوسط للمغتربين، أو أولوية في الحصول على وحدات مبادرة التمويل العقاري عند العودة النهائية، أو تخفيض على تذاكر الطيران الوطنية، مقابل إثبات تحويل سنوي لا يقل عن 3000 دولار عبر البنك.
*ثالثا: إطلاق تطبيق قومي موحد بعمولة صفرية*
أحد أكبر معوقات التحويل هو العمولات المرتفعة وتأخر وصول المبلغ.
الحل هو إطلاق تطبيق رسمي موحد تحت إشراف البنك المركزي، بالتعاون مع بنكي الأهلي ومصر، يضمن التحويل اللحظي بعمولة صفرية، مع منح سعر صرف تشجيعي يزيد قرشين أو ثلاثة قروش عن السعر الرسمي.
هذا الفارق البسيط كفيل بالقضاء تماما على أي سوق موازية.
*رابعا: تحويل المغترب من محول إلى مستثمر*
يجب أن ننتقل من عقلية "استقبال التحويل" إلى عقلية "استثمار التحويل". أقترح إنشاء صندوق استثماري عقاري وصناعي يطرح بالدولار، يسمح للمغترب بشراء حصة في مشروعات العاصمة الإدارية أو المدن الصناعية الجديدة، بعائد دولاري سنوي واسترداد لرأس المال بالدولار. بهذا يصبح المغترب شريكا في التنمية لا مجرد مصدر للعملة.
*خامسا: مظلة حماية اجتماعية مقابل التحويل المنتظم*
المغترب قلق على أسرته ومعاشه. لماذا لا نربط التحويل المنتظم بمظلة حماية؟ مقابل تحويل شهري منتظم لا يقل عن 200 دولار عبر البنك، يحصل المغترب على تأمين صحي شامل لأسرته من الدرجة الأولى داخل مصر، ومعاش تقاعدي اختياري بالجنيه عند بلوغ سن الستين. هذا الربط يخلق ولاء طويل الأمد للقناة الرسمية.
إن 33.9 مليار دولار هي فرصة تاريخية. وإذا أحسنا استثمارها بحوافز ذكية ومستدامة، يمكننا أن نصل إلى 50 مليار دولار سنويا خلال عامين، وهو الرقم الكفيل بحل أزمة العملة الصعبة في مصر بشكل جذري ونهائي.













