جامعة القاهرة تحصد ثمار استراتيجية الذكاء الاصطناعي خلال عامين
أعلنت جامعة القاهرة حصاد عامين من تنفيذ استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي، التي أطلقتها في أكتوبر 2024، مستعرضة حزمة من الإنجازات والمشروعات التي تعكس الانتقال من مرحلة الرؤية والتخطيط إلى التطبيق المؤسسي، من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي والحوكمة والخدمات الجامعية، وتعزيز الابتكار الطلابي وبناء القدرات البشرية، بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030 وتوجهات الدولة نحو التحول الرقمي واقتصاد المعرفة.
وأكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن الجامعة نجحت في تحويل الذكاء الاصطناعي من رؤية استراتيجية إلى منظومة مؤسسية متكاملة تشمل التعليم والبحث العلمي والحوكمة والخدمات الذكية، مشيرًا إلى أن الاستراتيجية تستهدف ألا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكنولوجية حديثة، بل جزءًا أصيلًا من منظومة العمل الجامعي، بما يسهم في تطوير العملية التعليمية، ودعم البحث والابتكار وريادة الأعمال، ورفع كفاءة الأداء الإداري، ونشر الوعي بالاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
وأوضح رئيس الجامعة أن الاستراتيجية ارتكزت على أربعة محاور رئيسية، تشمل تطوير التعليم وإنتاج المعرفة، ودعم البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، ورفع الكفاءة الإدارية، ونشر الوعي وتعزيز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الجامعة تعمل على توظيف التكنولوجيا الحديثة في تطوير أدائها الأكاديمي والإداري، وتحقيق الاستفادة المثلى من إمكاناتها البشرية والبحثية.
وفي إطار تعزيز الحوكمة المؤسسية، أنشأت الجامعة اللجنة العليا للذكاء الاصطناعي، وشبكة تضم 26 منسقًا يمثلون كلياتها ومعاهدها، كما أصدرت سياسة مؤسسية للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، إلى جانب دليل لاستخدام هذه التقنيات في البحث العلمي، أطلقت نسخته الثانية المطورة في يونيو 2026، بهدف تعزيز النزاهة الأكاديمية وحماية البيانات وترسيخ الالتزام بالضوابط الأخلاقية والمهنية.
وفي محور تطوير التعليم، اتخذت الجامعة خطوات مهمة لدمج الذكاء الاصطناعي في منظومتها الأكاديمية، من خلال إقرار مقررات إلزامية في الذكاء الاصطناعي ضمن متطلبات التخرج بكليات الجامعة، بما يضمن إكساب الطلاب، بمختلف تخصصاتهم، المعارف والمهارات الأساسية اللازمة للتعامل مع هذه التقنيات وتوظيفها بصورة مسؤولة في دراستهم وحياتهم المهنية مستقبلًا، انطلاقًا من رؤية تعتبر الإلمام بالذكاء الاصطناعي إحدى الجدارات الأساسية لخريج الجامعة، وليس مهارة تقتصر على طلاب التخصصات التكنولوجية، كما بدأت جامعة القاهرة الأهلية تدريس مقرر للذكاء الاصطناعي ضمن متطلبات التخرج بمختلف تخصصاتها.
وعلى صعيد بناء القدرات البشرية، نفذت الجامعة 211 دورة تدريبية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، استفاد منها 4123 متدربًا من أعضاء هيئة التدريس والباحثين، إلى جانب تنظيم 8 ورش عمل متخصصة بمشاركة 1129 من أعضاء المجتمع الجامعي، فضلًا عن تدريب أكثر من 600 موظف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الإداري ضمن برنامج «إتقان»، كما أقرت الجامعة التدريب على الذكاء الاصطناعي متطلبًا إلزاميًا للترقية لأعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، بما يعزز جاهزية الكوادر الجامعية لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وفي مجال البحث العلمي والابتكار، مولت جامعة القاهرة 19 مشروعًا بحثيًا تطبيقيًا بإجمالي تمويل يقارب 20 مليون جنيه، كما أنشأت 5 بيوت خبرة متخصصة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الدراسات والتحليلات التي تدعم احتياجات قطاعات الدولة وتسهم في تطوير صناعة القرار، إلى جانب إنشاء كرسي الإيسيسكو للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي الشامل والمستدام، بما يدعم التعاون العلمي الدولي ويعزز البحث متعدد التخصصات وتوظيف مخرجاته في معالجة التحديات الواقعية.
وأولت الجامعة اهتمامًا خاصًا بتعزيز مشاركة الطلاب في الابتكار التكنولوجي، من خلال تنظيم مسابقات الهاكاثون والتحديات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تستهدف تحويل الأفكار الإبداعية إلى حلول عملية للمشكلات الواقعية، وشهدت هذه الفعاليات مشاركة 417 طالبًا، إلى جانب تخصيص جوائز مالية تتجاوز 400 ألف جنيه للمسابقات الطلابية، بهدف تشجيع التنافس الإيجابي والعمل الجماعي، وتحفيز الطلاب على تطوير مشروعات مبتكرة قابلة للتطبيق، بما يعزز ثقافة ريادة الأعمال ويربط الدراسة الأكاديمية باحتياجات المجتمع وسوق العمل.
وفي إطار تحويل الابتكار إلى تطبيقات عملية، أطلقت الجامعة «المساعد الذكي» لقطاع الدراسات العليا والبحوث، الذي طورته كوادر الجامعة بالكامل ويعمل على بنيتها التحتية، بهدف تيسير حصول الطلاب والمتقدمين على المعلومات والخدمات، كما أدخلت تقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في عدد من المستشفيات الجامعية لدعم التشخيص والعلاج، وافتتحت معامل متخصصة مزودة بإمكانات حوسبة متقدمة بكليتي الهندسة وطب الأسنان، بما يعكس توجه الجامعة نحو توظيف نتائج البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في خدمة المجتمع والارتقاء بجودة الخدمات الجامعية.
وفي محور نشر الوعي وتعزيز الاستخدام المسؤول، أطلقت الجامعة منصتها للذكاء الاصطناعي، ونظمت في أكتوبر 2025 النسخة الأولى من مؤتمرها الدولي CU-AI Nexus، تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء، بمشاركة أكثر من 21 ألف مشارك و300 متحدث، وبحضور شركاء دوليين من بينهم منظمة اليونسكو، ليشكل المؤتمر منصة للحوار وتبادل الخبرات بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية والصناعية، ومناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة وأبعاده الأخلاقية والمجتمعية.
ومن جانبه، أكد الدكتور هيثم حمزة، عميد كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، أن ما تحقق خلال العامين الماضيين يعكس نجاح الجامعة في الربط بين بناء القدرات البشرية والتطوير الأكاديمي والبحث العلمي والتطبيق العملي، مشيرًا إلى أن إقرار مقررات الذكاء الاصطناعي بمختلف التخصصات، والتوسع في المسابقات الطلابية والهاكاثون، يمثلان خطوة مهمة نحو إعداد جيل من الخريجين القادرين على مواكبة التحولات التكنولوجية والمشاركة في إنتاج حلول مبتكرة تخدم المجتمع.
وأضاف أن التوسع في المشروعات البحثية التطبيقية وتعزيز الشراكات مع مؤسسات الدولة وقطاعات الصناعة يسهمان في توجيه البحث العلمي نحو احتياجات التنمية، ويعززان قدرة الجامعة على تحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية ذات أثر اقتصادي ومجتمعي، مؤكدًا أهمية استمرار التكامل بين التعليم والبحث والابتكار لضمان الاستخدام الفعال والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
واختتم الدكتور محمد سامي عبد الصادق بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لما تحقق لا تكمن في أعداد المبادرات والمشروعات وحدها، وإنما في تكاملها وقدرتها على إحداث تحول مستدام في منظومة العمل الجامعي، قائلًا: «الجامعة التي لا تجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من منظومتها، ستواجه المستقبل بأدوات الماضي».
وأشار رئيس جامعة القاهرة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد التوسع في دمج الذكاء الاصطناعي بمختلف البرامج الأكاديمية والتطبيقات والخدمات الجامعية، ودعم الابتكار والشركات الناشئة وتعزيز الشراكات الدولية، وصولًا إلى بناء نموذج الجامعة الذكية المتكاملة التي توظف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي للارتقاء بجودة التعليم والبحث العلمي والخدمات، وتعزيز دور الجامعة في خدمة المجتمع ودعم جهود التنمية، مع الحفاظ على القيم الأكاديمية والإنسانية وترسيخ مبادئ المسؤولية الأخلاقية.

























