الكاتب الصحفي صالح شلبي يكتب : عبد الهادي القصبي ورسائل المسؤولية والانحياز للمواطن بعد فوزه بالتزكية برئاسة لجنة حقوق الإنسان والتضامن بالشيوخ
في لحظة برلمانية تحمل الكثير من الدلالات، جاء فوز الدكتور عبد الهادي القصبي بالتزكية برئاسة لجنة حقوق الإنسان والتضامن بمجلس الشيوخ، ليؤكد ما يحظى به من ثقة وتقدير بين زملائه أعضاء المجلس، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الخبرة البرلمانية الحقيقية لا تقاس بعدد سنوات العمل العام، وإنما بقدرة صاحبها على تحويل الثقة إلى مسؤولية، والموقع إلى رسالة، والكلمة إلى التزام تجاه المواطن والوطن.
ولم يحتج الدكتور عبد الهادي القصبي إلى وقت طويل ليكشف عن ملامح رؤيته خلال دور الانعقاد الثاني، فقد جاءت تصريحاته الأولى عقب تجديد الثقة به محملة برسائل مهمة، أكدت أن رئاسة لجنة حقوق الإنسان والتضامن ليست مجرد موقع في الهيكل البرلماني، وإنما أمانة تفرض على صاحبها أن يكون قريبا من هموم المواطنين، ومدافعا عن حقوقهم، وحريصا على ترجمة المبادئ الدستورية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
واللافت في تصريحات القصبي أنه لم يتعامل مع فوزه بالتزكية باعتباره انتصارا شخصيا، وإنما وضعه في إطاره الصحيح باعتباره تكليفا جديدا ومسؤولية مضاعفة، عندما أكد أن ثقة أعضاء المجلس تمثل أمانة تستوجب مزيدا من العمل والعطاء، وهي رسالة تعكس إدراكا لطبيعة العمل العام، حيث لا تمنح المناصب أصحابها امتيازا على الآخرين، بل تضعهم أمام واجبات أكبر تجاه المجتمع ومؤسسات الدولة.
كما حمل توجيه القصبي الشكر والتقدير إلى المستشار عغصام فريد، رئيس مجلس الشيوخ، وهيئة مكتب المجلس وأعضائه، دلالة على أهمية العمل المؤسسي والتعاون البرلماني، فنجاح اللجان لا يتحقق بالجهود الفردية وحدها، وإنما بتكامل الأدوار، وتبادل الرؤى، وتحويل المسؤوليات إلى خطط عمل تستجيب لاحتياجات المواطنين.
وتزداد أهمية هذه الرسائل عندما نتوقف أمام طبيعة الملفات التي تقع في صميم اختصاص لجنة حقوق الإنسان والتضامن بمجلس الشيوخ، فهي لجنة تتعامل مع قضايا تمس حياة المواطنين وكرامتهم وحقوقهم الأساسية، ولا يقتصر دورها على مناقشة التشريعات والتقارير، بل يمتد إلى دراسة الموضوعات المحالة إليها، وبحث القضايا الحقوقية والاجتماعية، ومناقشة السياسات التي تستهدف تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى الحماية والرعاية للفئات الأولى بالاهتمام.
المواطن في قلب منظومة حقوق الإنسان
لقد بعث القصبي برسالة بالغة الأهمية عندما أكد أن المواطن المصري سيظل محور عمل اللجنة، وأن حقوق الإنسان بمفهومها الشامل لا تنفصل عن حق الإنسان في الحياة الكريمة، والتعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية، إلى جانب صون الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور والقانون.
وهنا تكمن أهمية هذا الطرح، لأن الحديث عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يبقى أسيرا للشعارات أو العناوين العامة، وإنما يجب أن يرتبط بما يلمسه المواطن من خدمات وفرص وحماية ورعاية، وبقدرته على الحصول على حقوقه في إطار دولة القانون والمؤسسات، وهو ما يضاعف أهمية الدور البرلماني في مناقشة التحديات وطرح الحلول التي تتناسب مع احتياجات المجتمع.
ومن هذا المنطلق، تأتي حماية حقوق المواطنين وصون كرامتهم وترسيخ مبادئ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص في مقدمة الملفات التي تستحق اهتمام اللجنة، إلى جانب مناقشة مشروعات القوانين والموضوعات الداخلة في اختصاصها، ودراسة التقارير ذات الصلة بحقوق الإنسان، وبحث شكاوى المواطنين والهيئات التي تدخل في نطاق عملها، بما يساعد على كشف المشكلات واقتراح المعالجات المناسبة لها.
التضامن الاجتماعي وحماية الفئات الأولى بالرعاية
أما ملف التضامن الاجتماعي، فيمثل أحد أهم محاور العمل المنتظر من اللجنة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالأسر محدودة الدخل والفئات الأكثر احتياجا، وما يتطلبه من اهتمام ببرامج الحماية الاجتماعية، ومناقشة السياسات التي تستهدف تحسين مستوى المعيشة، وضمان وصول المساعدات والخدمات إلى مستحقيها، وتعزيز كفاءة البرامج الاجتماعية بما يحقق أكبر استفادة ممكنة للمواطنين.
وتبرز في هذا السياق أهمية الاهتمام بكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال والمرأة والأسرة، والعمل على دعم حقوقهم وتعزيز مشاركتهم في المجتمع، إلى جانب تمكين الشباب اقتصاديا واجتماعيا، ومناقشة التحديات التي تحول دون حصول الفئات الأولى بالرعاية على الخدمات والفرص المتاحة، بما يعزز مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
ولا تنفصل هذه الملفات عن ضرورة تطوير منظومة العمل الأهلي وتعزيز التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في إطار القانون، باعتبارها شريكا مهما في جهود الرعاية والتنمية، فضلا عن أهمية التنسيق بين المؤسسات المعنية لتوحيد الجهود وتجنب ازدواجية الخدمات، والوصول إلى حلول أكثر فاعلية للمشكلات الاجتماعية والإنسانية.
مناقشة التشريعات ومتابعة التوصيات
كما أن تأكيد القصبي مواصلة اللجنة ممارسة دورها التشريعي والرقابي، وفتح قنوات التواصل مع المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم ومطالبهم، يحمل رسالة إيجابية بشأن طبيعة الدور المنتظر خلال دور الانعقاد الثاني، فالمؤسسة البرلمانية تزداد قوة وتأثيرا كلما اقتربت من الشارع، واستطاعت نقل صوت المواطن إلى دوائر صنع القرار، وتحويل القضايا المطروحة إلى ملفات جادة تخضع للدراسة والمناقشة.
والأهم في هذا الإطار أن تتحول أهداف اللجنة إلى برنامج عمل واضح، يقوم على تحديد الأولويات وفقا لاحتياجات المجتمع، والاستماع إلى الخبراء والمتخصصين وممثلي الفئات المعنية، ومناقشة أوجه القصور في الخدمات والبرامج الاجتماعية، وتقديم توصيات واقعية تستند إلى الدراسة والبيانات، مع متابعة ما يدخل في نطاق اختصاصها من موضوعات وتقارير.
فالنجاح لا يتحقق بمجرد عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات، وإنما بقدرة اللجنة على تقديم رؤى ومقترحات تسهم في تطوير التشريعات والسياسات العامة، ورصد التحديات التي تواجه المواطنين، ومتابعة ما يمكن اتخاذه من إجراءات لمعالجتها، مع احترام حدود الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة، بما يضمن تكامل الأدوار بين مجلس الشيوخ والحكومة والجهات المعنية.
ولعل من أبرز ما يستحق التقدير في رسائل رئيس اللجنة تأكيد أهمية العمل بروح الفريق والتعاون بين المؤسسات، إدراكا منه أن قضايا حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي لا يمكن أن تتولاها جهة واحدة بمعزل عن غيرها، بل تحتاج إلى تنسيق مؤسسي وحوار جاد وتكامل في المسؤوليات، حتى تتحول الخطط والبرامج إلى نتائج يشعر بها المواطن.
القصبي أمام مسؤولية تحويل الثقة إلى إنجاز
إن البناء على ما تحقق في ملف حقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة، والعمل على الانتقال من وضع الأطر والاستراتيجيات إلى تعزيز التطبيق والمتابعة وقياس الأثر، يمثل أحد التحديات المهمة أمام المرحلة المقبلة، فالمواطن ينتظر أن يرى انعكاس السياسات العامة على حياته اليومية، وأن يجد استجابة حقيقية لمشكلاته، وأن يشعر بأن حقوقه واحتياجاته الأساسية تحظى بالاهتمام الذي تستحقه.
ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق الدكتور عبد الهادي القصبي وأعضاء اللجنة تتطلب تحديد الملفات الأكثر إلحاحا، وتعزيز التواصل مع المواطنين، والاستفادة من الدراسات والتقارير المتخصصة، ومناقشة القضايا التي تمس الفئات الأولى بالرعاية، والعمل على تقديم توصيات قابلة للمتابعة والتقييم، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما أن فتح قنوات الحوار مع المجتمع المدني والجهات المعنية بحقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي يمكن أن يسهم في توسيع دائرة المشاركة والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والوصول إلى تصورات أكثر واقعية للتعامل مع التحديات، في إطار من المسؤولية الوطنية واحترام الدستور والقانون.
إن فوز الدكتور عبد الهادي القصبي بالتزكية برئاسة لجنة حقوق الإنسان والتضامن بمجلس الشيوخ، وما أعقبه من تصريحات أكدت المسؤولية والانحياز للمواطن والعمل المؤسسي، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل الذي نأمل أن تكون فيه اللجنة أكثر حضورا وتأثيرا في الملفات التي تمس حياة المصريين، وأن تسهم في دعم الفئات الأكثر احتياجا، وتعزيز الحقوق والحريات، وترسيخ العدالة الاجتماعية.
وإذا كانت التزكية تعكس ثقة أعضاء المجلس فيمن اختاروه لقيادة اللجنة، فإن هذه الثقة تضع أمام رئيسها وأعضائها اختبارا حقيقيا عنوانه الإنجاز، فالمواطن ينتظر من المؤسسات المعنية بحقوقه أن تقترب من مشكلاته، وأن تستمع إلى صوته، وأن تعمل على إزالة العقبات التي تحول دون حصوله على حقوقه، وأن تجعل من كرامته الإنسانية واحتياجاته الأساسية نقطة الانطلاق في كل نقاش أو توصية أو تحرك برلماني.
كل التقدير للدكتور عبد الهادي القصبي على الرسائل التي حملت معاني المسؤولية والالتزام والعمل الوطني، وكل الأمنيات بأن تترجم هذه الرؤية إلى خطوات عملية تدعم حقوق المواطن المصري، وتعزز مظلة الحماية الاجتماعية، وتفتح آفاقا أوسع للتعاون بين المؤسسات، بما يحفظ كرامة الإنسان ويقوي الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فالمناصب البرلمانية لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد الفوز بها، حتى لو جاء الفوز بالتزكية، وإنما بما يقدمه أصحابها من عمل مخلص، وما يتركونه من أثر في حياة الناس، وما ينجحون في تحقيقه من استجابة لمطالب المواطنين، وتلك هي المسؤولية التي وضعها القصبي في صدارة رسائله، وهي المعيار الذي ينتظر الجميع أن تتجسد من خلاله طموحات لجنة حقوق الإنسان والتضامن بمجلس الشيوخ خلال المرحلة المقبلة.
كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير



























