بوابة الدولة
الأحد 27 سبتمبر 2026 07:58 صـ 14 ربيع آخر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
في ذكرى ميلادها.. شريفة فاضل «أم البطل» التي حولت وجع الأم إلى أغنية خالدة .. هزت قلوب المصريين بصوتها عمر خيرت يحيي حفلا موسيقيا فى حديقة الفسطاط 16 أكتوبر مسرح الساقية للعرائس يستقبل محبي أم كلثوم بعروض طربية في أكتوبر سامح صقر يكشف لـ ستوديو إكسترا تفاصيل دواء جديد لعلاج الشلل الرعاش خبير اقتصادى: المجمعات الصناعية تسرع الاستثمار والإنتاج أحمد موسى: كلمة رئيس الوزراء أمام الأمم المتحدة نقلت رسائل الرئيس السيسي بقوة سعر الحديد اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026.. أعلى طن بـ 40850 جنيهًا النائب محمد الصالحى: يفجر أزمة استبعاد 179 إماماً من الأوقاف بسبب ”عدم تناسق القوام” الانتهاء إصلاح كسر بخط طرد الصرف الصحي بمدينة فاقوس بالشرقية الفضالي ينعي المستشار أحمد الزند: فقدنا قامة قضائية ووطنية واسد القضاء لماذا محمد عبد المنعم يطلب عدم المشاركة أمام جنوب السودان؟ تعرف على السبب العراق يتوصل إلى تفاهم مع أمريكا لمواصلة إرسال شحنات الدولار النقدي

في ذكرى ميلادها.. شريفة فاضل «أم البطل» التي حولت وجع الأم إلى أغنية خالدة .. هزت قلوب المصريين بصوتها

الفنانة شريفة فاضل
الفنانة شريفة فاضل

تحل اليومالذكرى الـ 88 على ميلادالراحلة  الفنانة والمطربة الكبيرة شريفة فاضل، صاحبة الصوت الذي ارتبط في وجدان المصريين بالفرح والانتصار والحب والحنين، والتي عرفت بلقب «أم البطل» و«سلطانة الطرب»، وتركت وراءها رحلة فنية حافلة بدأت منذ طفولتها، امتدت بين الغناء والسينما والإذاعة والمسرح، وقدمت خلالها مجموعة من أشهر الأغنيات التي ما زالت حاضرة حتى اليوم، وعلى رأسها «أم البطل» و«تم البدر بدري» و«حارة السقايين» و«مبروك عليك يا معجباني».

في مثل هذا اليوم الموافق 27 سبتمبر1938، تعود إلى الذاكرة سيرة واحدة من أبرز الأصوات النسائية في تاريخ الغناء المصري، الفنانة الكبيرة شريفة فاضل، التي لم تكن مجرد مطربة قدمت عشرات الأغنيات، وإنما كانت حالة فنية وإنسانية متفردة، ارتبط صوتها بذكريات المصريين في مناسبات عديدة، حتى أصبحت أغنياتها جزءا من الذاكرة الشعبية والوطنية، وظلت أغنياتها تتردد عبر الأجيال رغم ابتعادها عن الأضواء لسنوات طويلة.

ولدت شريفة فاضل باسم فوقية أحمد ندا، وهي حفيدة الشيخ المقرئ أحمد ندا، أحد أعلام دولة التلاوة، ونشأت في بيت ارتبط منذ البداية بالفن والغناء والإنشاد، إلا أن طفولتها لم تكن هادئة، فقد انفصل والداها، وانتقلت للعيش مع والدتها وإخوتها بعد زواج والدتها من رجل الأعمال إبراهيم الفلكي، أحد أثرياء مصر في ذلك الوقت، وعاشت الأسرة في عوامة على النيل، وكانت تلك الحياة سببا في اقترابها من دوائر المجتمع التي كانت تضم كبار رجال الدولة والفن ورجال الأعمال.

وفي تلك المرحلة المبكرة من حياتها، لفت صوت شريفة فاضل الانتباه، حتى إنها غنت أمام الملك فاروق، الذي أبدى إعجابه بصوتها وهي لا تزال طفلة، لتبدأ ملامح موهبة استثنائية سرعان ما وجدت طريقها إلى الوسط الفني، وتتحول الطفلة التي كانت تغني في محيط العوامة إلى واحدة من أشهر مطربات مصر في العقود التالية.

وكانت الصدفة نقطة التحول الكبرى في حياة شريفة فاضل، عندما سمعها رجل الأعمال السيد ياسين، صاحب مصانع ياسين للزجاج، وهي تغني بالقرب من المكان الذي كانت تعيش فيه أسرتها، فعرض على والدتها أن تشارك في فيلم «الأب»، الذي كان من إنتاجه وإخراج عمر جميعي، لتخوض شريفة فاضل أولى تجاربها السينمائية وهي في سن صغيرة، وتقف أمام عدد من كبار نجوم التمثيل في ذلك الوقت.

ولم تتوقف خطواتها عند السينما، فقد شاركت وهي في سن مبكرة في أعمال أخرى، من بينها فيلم «أولادي» وفيلم «وداعا يا غرامي»، الذي جمعها بالفنانة الكبيرة فاتن حمامة والفنان عماد حمدي، وهو ما ساعد على ترسيخ حضورها في الوسط الفني، ثم التحقت بمعهد التمثيل كمستمعة بسبب صغر سنها، قبل أن تنتقل إلى الإذاعة، وتبدأ مرحلة جديدة من مشوارها الفني.

وكان برنامج «بابا شارو» من المحطات المهمة في بدايات شريفة فاضل، حيث شاركت فيه وهي لا تزال في سن صغيرة، لتواصل بعدها طريقها في عالم الغناء والتمثيل، وتتعرف على كبار الشعراء والملحنين والمخرجين، وكان الشاعر صالح جودت من الذين ارتبطوا بمسيرتها، وهو الذي اقترح عليها اسمها الفني «شريفة فاضل» بدلا من اسمها الحقيقي فوقية.

ومع مرور السنوات أصبحت شريفة فاضل واحدة من أشهر مطربات مصر، وقدمت مجموعة كبيرة من الأغنيات التي تنوعت بين العاطفية والدينية والوطنية، ونجحت في أن تمتلك صوتا له بصمته الخاصة، فلا يكاد الجمهور يسمع إحدى أغنياتها حتى يتعرف إليها من الجملة الأولى، ومن أشهر أعمالها «مبروك عليك يا معجباني يا غالي»، و«أمانة يا بكرة أمانة»، و«فلاح كان فايت بيغني»، و«الليل»، و«آه يا المكتوب»، و«حارة السقايين»، وغيرها من الأغنيات التي أصبحت علامات في تاريخ الطرب المصري.

وكانت أغنية «حارة السقايين» واحدة من أبرز محطات نجاحها، كما حمل الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه بصمتها الفنية، إلى جانب أعمال سينمائية أخرى شاركت فيها كممثلة ومطربة، واستطاعت من خلالها أن تجمع بين موهبتين، الغناء والتمثيل، في وقت كانت فيه السينما المصرية تعتمد بصورة كبيرة على نجوم الغناء لتقديم أفلام تجمع بين الدراما والاستعراض والموسيقى.

وخلال مسيرتها الفنية قدمت شريفة فاضل عددا كبيرا من الأفلام، ومن أبرز الأعمال التي شاركت فيها «أولادي»، و«وداعا يا غرامي»، و«حارة السقايين»، و«مفتش المباحث»، و«سلطانة الطرب»، إلى جانب أعمال أخرى، وكان آخر أفلامها السينمائية فيلم «تل العقارب» الذي عرض عام 1985، وأخرجه نيازي مصطفى، وشارك في بطولته يونس شلبي ونورا وصلاح قابيل ومحمد رضا، وجسدت خلاله شخصية «المعلمة نوسة».

ولم يقتصر عشق شريفة فاضل للفن على التمثيل والغناء، وإنما خاضت تجربة الإنتاج السينمائي أيضا، فأنتجت عام 1978 فيلم «سلطانة الطرب»، الذي قامت ببطولته كذلك، وكان من إخراج حسن الإمام، لتثبت أنها لم تكن مجرد فنانة تقف أمام الكاميرا أو خلف الميكروفون، وإنما كانت تمتلك أيضا رؤية فنية جعلتها تخوض تجربة الإنتاج.

وفي حياتها الخاصة، تزوجت شريفة فاضل من المخرج والممثل السيد بدير، الذي أسند إليها عددا من البطولات، وأنجبت منه ولدين، وكان أكبرهما سيد السيد بدير، الذي ارتبط اسمه بأشد اللحظات ألما في حياة والدته، بعدما استشهد في حرب الاستنزاف، عقب تخرجه وتلقيه تدريبات على الطيران في روسيا.

وكان رحيل ابنها الشهيد نقطة فاصلة في حياة شريفة فاضل، فقد أصيبت بصدمة قاسية دفعتها إلى التوقف عن الغناء لفترة، بعدما تحول الفقد إلى جرح شخصي عميق، قبل أن تعود إلى الفن من جديد من بوابة الأغنية الوطنية الأشهر في مسيرتها «أم البطل».

ولم تكن «أم البطل» مجرد أغنية وطنية عابرة، وإنما كانت ترجمة صادقة لمشاعر أم فقدت ابنها، وتحولت كلماتها وأداؤها إلى صوت لكل أم مصرية قدمت ابنها فداء للوطن، وكتبت كلمات الأغنية الشاعرة نبيلة قنديل، ووضع ألحانها الموسيقار علي إسماعيل، لتصبح الأغنية واحدة من أكثر الأغنيات الوطنية تأثيرا في تاريخ الغناء المصري.

وتحدثت شريفة فاضل عن تلك التجربة باعتبارها واحدة من أصعب اللحظات التي مرت بها، مؤكدة أن كلمات الأغنية كانت شديدة القسوة عليها، وأنها تأثرت كثيرا أثناء تسجيلها، حتى إنها أصيبت بالإغماء أكثر من مرة، لكنها أصرت على استكمال تسجيل الأغنية، لأنها كانت ترى أن «أم البطل» ليست قصتها وحدها، وإنما قصة كل أم مصرية فقدت ابنها في الحرب.

وكانت شريفة فاضل تحرص على غناء «أم البطل» في نهاية حفلاتها، لأنها لم تكن تستطيع الغناء بعدها من شدة التأثر، حتى أصبحت الأغنية مرتبطة في وجدان المصريين بالشهداء وأمهاتهم، وظلت حاضرة في المناسبات الوطنية، لتتحول مع مرور الزمن إلى واحدة من الأغنيات التي لا تنفصل عن الذاكرة المصرية.

ولم تكن «أم البطل» العمل الوطني الوحيد الذي ترك بصمة في مسيرتها، فقد عرفت أيضا بأغنيتها الرمضانية الشهيرة «تم البدر بدري والأيام بتجري»، التي كتب كلماتها عبد الفتاح مصطفى ولحنها عبد العظيم محمد، وأصبحت الأغنية من أبرز علامات وداع شهر رمضان، وظلت تتردد كل عام مع اقتراب نهاية الشهر الكريم، حتى إن أجيالا عديدة حفظت كلماتها ولحنها دون أن تعرف أحيانا اسم المطربة التي قدمتها.

وكانت شريفة فاضل تقول إنها لم تكن تبحث عن مقابل مادي نظير غناء «تم البدر بدري»، وإنما كان يكفيها أن يكون لها صوت وأغنية حاضرة في شهر رمضان، وهو ما تحقق بالفعل، فقد أصبحت الأغنية جزءا من الطقوس الرمضانية المصرية، وصارت واحدة من الأعمال التي تستعاد سنويا مع نهاية الشهر الكريم.

كما ارتبط اسم شريفة فاضل بالرئيس جمال عبد الناصر، بعدما دعيت لإحياء حفل زفاف ابنته هدى، وغنت خلال المناسبة أغنيتها الشهيرة «مبروك عليك يا معجباني يا غالي»، كما حضرت حفلات للرئيس أنور السادات، وغنت له شخصيا أغنية «أسمر يا سمارة يا أبو دم خفيف»، وهو ما جعلها ترتبط في الذاكرة بلقب «مطربة الرؤساء والملوك».

وخاضت شريفة فاضل تجربة مختلفة عندما أسست «كازينو الليل» في الهرم، والذي تحول إلى ملتقى لعدد كبير من أهل الفن والمجتمع، وكانت حريصة على أن يكون المكان مناسبا للعائلات، واستضاف الكازينو عددا من الفنانين الذين أصبحوا لاحقا من نجوم الغناء، ومن بينهم الفنان عمرو دياب الذي كانت بداياته مرتبطة بالمكان، كما كان من رواده عدد من مشاهير المجتمع من رجال الأعمال والأدباء والسياسيين.

وكانت تلك التجربة سببا في أن تفتح شريفة فاضل الباب أمام مواهب جديدة، فلم تكتف بأن تكون نجمة على المسرح، وإنما ساهمت في منح آخرين فرصة الظهور والتعرف إلى الجمهور، وهو جانب آخر من شخصيتها الفنية لا يقل أهمية عن أعمالها الغنائية والسينمائية.

وتزوجت شريفة فاضل لاحقا من اللواء الطيار علي زكي، وبعد إصابته بالشلل باعت «كازينو الليل» وتفرغت لخدمته، وأنجبت منه ابنها تامر، بينما عاش ابنها سامي السيد بدير في أيرلندا.

ومع بداية التسعينيات، ابتعدت شريفة فاضل تدريجيا عن الغناء، وتراجعت مشاركاتها في الحفلات العامة، لتبدأ مرحلة من العزلة والابتعاد عن الأضواء، بعدما كانت لسنوات طويلة واحدة من الأسماء البارزة في عالم الفن والغناء المصري.

ورغم ابتعادها عن الساحة الفنية، لم يبتعد صوتها عن الجمهور، فقد ظلت أغنياتها حاضرة في الإذاعات والاحتفالات والمناسبات، وظلت «تم البدر بدري» مرتبطة بشهر رمضان، و«أم البطل» مرتبطة بالانتصار والشهادة والوطن، بينما ظلت «مبروك عليك يا معجباني» و«حارة السقايين» وغيرهما من الأغنيات تستعيد معها ذكريات زمن جميل من تاريخ الموسيقى المصرية.

وعاشت شريفة فاضل في سنواتها الأخيرة بعيدا عن الأضواء، واختارت الهدوء والعزلة بعد رحلة طويلة من الشهرة والنجومية، وكانت ترى أن الزمن تغير وأن كثيرا من أبناء جيلها ابتعدوا عن المشهد، لكنها بقيت متصالحة مع تاريخها، مدركة أن الفنان الحقيقي لا يعيش فقط في الحفلات والبرامج، وإنما يعيش في ذاكرة الناس.

وتبقى قصة شريفة فاضل مختلفة عن كثير من قصص الفنانات، لأنها جمعت بين الشهرة والنجاح والانتصار والفقد، وبين أغنيات الفرح وأغنيات الحزن، وبين السينما والإذاعة والمسرح والإنتاج، لكنها تركت بصمتها الأكبر عندما حولت أصعب جرح في حياتها إلى عمل فني أصبح ملكا لجمهور كامل.

وفي ذكرى ميلادها، لا يستعيد المصريون مجرد اسم فنانة غابت عن الأضواء، وإنما يستعيدون صوتا ارتبط بذكرياتهم ومناسباتهم، صوت «سلطانة الطرب» و«أم البطل»، التي غنت للحب والفرح والوطن والشهيد، واستطاعت أن تجعل من حنجرتها جسرا بين الفن والوجدان، لتبقى شريفة فاضل واحدة من الأصوات التي لا تنتهي حكايتها بانتهاء زمنها، وإنما تستمر كلما انطلقت أغنية من أغنياتها في بيت أو إذاعة أو مناسبة، وكلما جاء رمضان فتردد المصريون «تم البدر بدري»، وكلما استعيدت سيرة أم فقدت ابنها فغنت له ولجميع أمهات الأبطال.

لم تتوقف شهرة شريفة على مصر فقط بل ذاع صيتها في الوطن العربي كله لتدخل مرحلة جديدة من حياتها، وتقول: "أول بلد أزورها كانت تونس مع عبد الحليم حافظ، وهناك كنت مرعوبة من الغناء، لكن تفاجئت أن الجمهور يعرف ما أقدمه ويتفاعل معي، وقدمنا هناك 7 حفلات، وبقيت مع عبد الحليم في كل حفلاته بالبلدان العربية ومصر".

رحلت شريفة فاضل في مارس 2023، عن عمر ناهز 85 عاما ، لكنها تركت وراءها إرثا فنيا وإنسانيا لا يزال حاضرا، وأغنيات تجاوزت حدود زمنها لتصبح جزءا من الذاكرة المصرية، وفي مقدمتها «أم البطل»، التي ظلت شاهدة على حكاية أم مصرية حملت ألم الفقد، وحولته بصوتها إلى أغنية خالدة.

موضوعات متعلقة