محمود الشاذلى يكتب : حتى علبة لبن الأطفال ياحكومه .
الآن بات كل شيىء بالمجتمع يمثل أزمه حقيقيه حتى لبن الأطفال ، ليس ذلك على سبيل التندر إنما واقعا نتعايشه صباح مساء وكل الوقت ، وكأن الحكومه أنهت كافة القضايا المعلقه التى تهدف إلى ترشيد الإنفاق الحكومى ، وتحميل المواطن كافة الأعباء الماليه ، وهذا نهج لايتفق على الإطلاق مع العداله الإجتماعيه التى ننشدها جميعا القياده السياسيه ، والحكومة ، والشعب ، خاصة مايتعلق بإحتياجات المواطن اليوميه ، وكان يمكن للحكومه أن تبحث عن آليه أخرى لترشيد الإنفاق الحكومى بعيدا عن لبن الأطفال ، لكننى وبصدق ألتمس العذر لوزيرالصحه لأنه ليس من الطبقه المتوسطه التى باتت معدمه ، لذا من الطبيعى ألا يدرك تلك المعاناه ، وألايعرف كيف تمثل علبة لبن الأطفال لطفل فى ريف مصر أو فى عمق الصعيد ، عبئا على كاهل الأسره المصريه البسيطه المكون الرئيسى للمجتمع المصرى ، وكذلك غيره من المسئولين الذى قال أحدهم على الأب أن يبحث على مايعوض علبة لبن الأطفال المدعمه ، أو يشتريها بمعرفته لطفله . وذكرنى ذلك بمقولة نسبت إلى ملكة فرنسا ماري أنطوانيت عندما سألت عن أسباب الإحتجاجات ، جاوبتها الحاشية أن الشعب لا يجد الخبز ، فردت الملكة المرفهة إذن فليأكلوا "البريوش" وهو خبز فرنسي فاخر إشتهرت به موائد الملوك والأرستقراطيين ، ونظرا لأن عامة الشعب لم يتذوقوا خبز البريوش لذا خلطوا بينه وبين الجاتوه . فبات اللفظ الدارج فلياكلوا الجاتوه .
بوضوح .. وزير الصحه والسكان الدكتور خالد عبدالغفار لاشك شخصه محل تقدير وإحترام حتى وإن رفضت جملة وتفصيلا القرار الوزارى الذى أصدره برقم 485 لسنة 2024 بشأن القواعد المنظمه لصرف الألبان شبيهة لبن الأم ، يعنى بالعربى لبن الأطفال ، والذى تضمن صرف اللبن بما يكفى طفل واحد فى حالة إنجاب السيده لطفلين توأم ، وعند وفاة الأم ، وعند إصابة الأم بالفشل الكلوى او الكبدى ، أو عند مرض الأم بمرض يستدعى إستخدام العلاج الكيماوى ، أو عند إصابة الأم بنوبات صرعيه تؤثر على سلامة الطفل ، أو إصابة الأم بمرض نفسى أو عقلى شديد .
لاشك أسر كثيره فى أزمه حيث لاتنطبق على سيدات كثر وضعن طفلهن تلك الشروط ، حتى وإن كان عند الأم ضعف أو إنقطاع فى إدرار اللبن لكنها لاتستحق طبقا لتلك الشروط الحصول على أى علبة لبن مدعمه ، أدرك تلك الأزمه ويدركها غيرى من الذين يتعايشون فى قاع الريف المصرى مع أهالينا الطيبين الذين أتشرف بأن أكون جزءا من كيانهم ، واشعر بمعاناتهم النفسيه والجسديه ، وكذلك المجتمعيه والماديه ، لعجزهم عن توفير علبة لبن ، لأنه ببساطه ثمن علبة اللبن ثلاثمائة جنيه ، يستخدمها الطفل لمدة ثلاثة أيام ، الأمر الذى معه يكون الطفل فى حاجه لمائة جنيه فى اليوم ، فماذا يفعل رب الأسره فى ظل تلك الظروف الإقتصاديه الصعبه .
قولا واحدا ووحيدا هذا القرار الصادر من الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحه معناه بوضوح إلغاء الألبان المدعمه ، لأن حالات التوائم ، والأيتام ، والحالات المرضيه نسبة ضئيله جدا من الأطفال ، ولاأعرف كيف إستطاع من أعدوا وجهزوا هذا القرار ألا يدركوا مردوده الكارثى على الأسر المصريه ، حتى ولو باتوا ينتمون للبهوات ، وميسورى الحال ، بالقطع لهم أقارب من المكون الرئيسى للمجتمع المصرى وهم طائفة الفقراء ، وبالقطع هم قدموا من أسر فقيره ، لذا كان يتعين عليهم العوده لما كان متبع فى هذا الشأن من قبل ، ولسنوات طوال ، وهو منح الطبيب سلطه تقديريه فى إعطاء الألبان المدعمه للأطفال حديثى الولاده فى حالة ضعف وإنقطاع لبن الأم ، أو فى حالة وجود لبن لدى الأم لكن الطفل وزنه أقل من الطبيعى ، ولاأجد فى ذلك أمر صعب أو مستحيل الحدوث .
خلاصة القول .. كم أضرت الشعارات بالوطن ، وسحقت المواطن ، ودمرت المكون الأسرى ، وزلزلت أركان الحياه المجتمعيه ، دلالة ذلك ، أن قرار وزير الصحه الذى أتحفظ عليه كثيرا ، وأمام ضميرى أرفضه ، إنطلق من لافته طويله عريضه كتب عليها شعارا خادعا وهو " تشجيع الرضاعه الطبيعيه " هذا الشعار قد أتناغم مع مضامينه لو وضعوا فى تلك البنود المسموح لهن بمنح وليدهن اللبن المدعم ، فى حالة ضعف وإنقطاع لبن الأم ، أو فى حالة وجود لبن لدى الأم لكن الطفل وزنه أقل من الطبيعى ، وهو بند كان معمول به فى السابق ، لكننى أرتاب عندما أجد أن الطفل لو ولد فى أسيوط مثلا مقر عمل الأب ، ثم عاد الأب إلى موطنه بالغربيه ، يتم رفض منحه اللبن المدعم إلا بمكاتبه رسميه من أسيوط موقع عليها إثنين من الموظفين ، ورئيسهم ومختوم بخاتم النسر ، أن الطفل لم يحصل على علبة لبن مدعم ، وكأننا ليس لدينا نظام الميكنه الحديثه ، والحكومه الألكترونيه والذكيه ، الغريب تسيير لجان تفتيش يوميه من ديوان عام وزارة الصحه لجميع المحافظات ، لرصد أى مخالفه للقرار الوزارى ، وكأن أمر توزيع الألبان المدعمه على الأطفال بات أمرا جلل ، يفوق مايتعرض له المواطن من أمراض فتاكه يجب رصد تبعاتها على وجه السرعه . لاشك نحن فى حاجه لمزيد من إحترام عقولنا ، والتناغم مع مشاكلنا ، والتعايش مع همومنا فهل تدرك ذلك الحكومه .
الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .
























