درع الأمان التصديري: كيف تحمي ”المكافحة الحيوية” الحاصلات المصرية من شروط الأسواق العالمية؟

يشهد القطاع الزراعي في مصر مرحلة استثنائية من الانفتاح على الأسواق العالمية، حيث تجاوزت حجم الصادرات رسمياً حاجز 9.5 مليون طن بقيمة إجمالية اقتربت من 11.5 مليار دولار، لتصل المنتجات المصرية اليوم إلى نحو 176 دولة عبر أكثر من 405 أصناف.
ويظل الحضور الدولي الواسع هو المسيطر حيث يفرض قواعده؛ فالجهات الرقابية الدولية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي لا تترك مساحة للتهاون فيما يتعلق بحدود "متبقيات المبيدات"، هذا الواقع جعل الاعتماد المطلق على الكيماويات مغامرة غير مأمونة، ودفع المنظومة البحثية والرقابية في مصر نحو تبني "المكافحة الحيوية" كخيار استراتيجي لا غنى عنه لحماية سمعة المحاصيل المصرية.
وفقاً لوزارة الزراعة ومركز البحوث الزراعية، فإن حماية المحاصيل التصديرية الكبرى مثل الموالح التي تتجاوز صادراتها 2 مليون طن، والبطاطس بحوالي 1.3 مليون طن، إلى جانب الفراولة والنباتات الطبية والعطرية- ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالالتزام الصارم بالممارسات الزراعية الجيدة (GAP).
وفي ظل نجاح الدولة في تكويد نحو 280 ألف فدان زراعي لإحكام الرقابة وتتبع مسار المحاصيل، تضاعف العبء الملقى على المعامل الرسمية؛ فالمعمل المركزي للمبيدات والمعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات يتعاملان شهرياً مع آلاف العينات بدقة فائقة، مرسلين رسالة واضحة، مفادها أن الشحنات المخالفة لا مكان لها على خارطة التصدير الحديثة لمصر.
وفي قلب هذا التحول، يبرز دور معهد بحوث وقاية النباتات كخط دفاع أول عبر توفير بدائل علمية ومستدامة حيث أكد، أن التوسع في برامج الإدارة المتكاملة للآفات (IPM) يعتمد على حلول عملية أثبتت كفاءة عالية، مثل إطلاق الطفيليات النافعة كـ"الترايكوجراما"، والمفترسات الأكاروسية، فضلاً عن التوسع في استخدام المصائد الفرمونية والضوئية.
وأوضح المعهد أن تطبيق هذه الحزم في الزراعات المحمية ومزارع النباتات الطبية والعطرية لا يحمي التوازن البيئي وصحة المزارع فحسب، بل يمثل رافعة أساسية لتعظيم العائد الاقتصادي، خاصة أن الأسواق الأوروبية تحظر تماماً أي شحنة تثبت التحاليل وجود أثر للكيماويات بها.
ولا يعمل المعهد بمعزل عن بقية المنظومة؛ إذ يتكامل معهد بحوث أمراض النباتات والمعمل المركزي للزراعة العضوية جنباً إلى جنب مع الحجر الزراعي والمجالس التصديرية، وقد أسفر هذا التعاون عن تفعيل آليات التتبع الرقمي ودمج صغار المزارعين في عجلة التصدير، من خلال نقل تقنيات الأسمدة الحيوية ومستحضرات المكافحة الآمنة مثل "النيمافري"، بما يضمن خفض الفاقد ورفع جودة المنتج النهائي.
بهذه الاستراتيجية التي تجمع بين لغة الأرقام القوية والتحول الفعلي نحو الزراعة النظيفة، تتجاوز المكافحة الحيوية كونها مجرد توصية بحثية لتصبح درعاً حقيقياً يحافظ على صدارة مصر الزراعية ويؤمن استدومتها للأجيال القادمة.

