د. رشا علي الدين تكتب: الشعب المصري…حين يكون الوعي درعًا للوطن

في أصعب الظروف وأحلك اللحظات، تتجلى معادن الشعوب، ويصبح الحفاظ على الوطن اختبارًا للوعي والمسؤولية. وفي تقديري، قدّم الشعب المصري، بما تحمّله من أعباء وضغوط، مثالًا يستحق الإنصاف في الارتباط بوطنه، والحرص على تماسكه، وإدراك قيمة بقائه آمنًا وسط إقليم تثقله الأزمات.
خلف هذا الصمود تفاصيل تستحق أن تُروى: أب يعيد ترتيب احتياجات أسرته، وأم تدبّر القليل ليكفي، وشاب يواصل البحث عن فرصة، وعامل يخرج كل صباح متمسكًا بكرامة العمل. هؤلاء هم الذين يمنحون الاستقرار معناه الإنساني، ويحمون الحياة اليومية بجهدهم وصبرهم وإصرارهم على الاستمرار.
وتستدعي المشاهد القادمة من بعض العواصم الأوروبية تأملًا جادًا. ففي باريس، شهدت احتجاجات السابع عشر من أكتوبر الجاري اشتباكات وأعمال تخريب على هامش مظاهرات تتعلق بغلاء المعيشة وأوضاع التعليم. وفي بروكسل، شهد اليوم نفسه مواجهات بين بعض المحتجين والشرطة خلال تحركات ارتبطت بتكاليف التعليم وإمكان الوصول إليه. وهي أحداث تكشف مقدار الضغط الذي قد تفرضه الأزمات الاجتماعية والاقتصادية حتى على مجتمعات ذات مؤسسات راسخة.
والإنصاف يقتضي ألّا نختزل الشعوب الأوروبية في مشاهد العنف، فكثير من المشاركين عبّروا عن مطالبهم سلميًا. كما أن اختلاف الظروف يمنع المقارنات المطلقة. لكن هذه الوقائع تذكّرنا بأن التماسك المجتمعي ثروة تحتاج إلى الرعاية، وأن قدرة الناس على إدارة غضبهم وحماية مصالحهم المشتركة تستحق التقدير أينما تحققت.
من هنا، تبدو قيمة ما يتحمله المصريون أكثر وضوحًا. فالمواطن الذي يشعر بضيق المعيشة، ثم يواصل عمله، ويحافظ على مرفقه وشارعه ومصدر رزقه، يسهم بالفعل في حماية وطنه. والوعي بكلفة الفوضى، وبما قد تتركه من خسائر في حياة الأسر ومستقبل الأبناء، يمثل رصيدًا وطنيًا بالغ الأهمية.
ومن منظور قانوني، يظل التعبير السلمي عن المطالب حقًا ينبغي صونه، وتظل حماية الأرواح والممتلكات واجبًا عامًا. وتكتمل مسؤولية الدولة بحسن الاستماع، وإتاحة سبل المشاركة، ومعالجة أسباب الاحتقان في إطار من العدالة وسيادة القانون.
ولهذا، فإن تقدير صبر المصريين يرتب مسؤولية تجاههم. فكل أسرة تحملت عبئًا تستحق سياسة تراعي احتياجاتها، وكل شاب يتمسك بالأمل يستحق فرصة عادلة، وكل مواطن يحافظ على وطنه يستحق أن يشعر بأثر الإصلاح في حياته. ويجد الوعي الشعبي سنده الأقوى في الشفافية، وتكافؤ الفرص، ومواجهة الفساد، وصون الكرامة الإنسانية.
لقد أثبت المصريون أن حب مصر حاضر في تفاصيل الحياة والعمل والتحمل. وهذا الحب أمانة تستوجب الوفاء: أن نحفظ للوطن استقراره، وللمواطن حقه، وللأجيال المقبلة أملها في حياة أفضل.
تحية للشعب المصري؛ لصبره كرامة، ولوعيه قيمة، ولحبه مصر حقٌّ في أن يُقابَل بالعدل والرعاية والوفاء.

