بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

خطيب الجامع الأزهر: الإسلام دعوة للعبادة والعمارة والقيادة

مجمع البحوث الإسلاميَّة بالأزهر الشريف
سعد ابو بكر -

ألقى الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، خطبة الجمعة بالجامع الأزهر اليوم، تحت عنوان «أمة الأكابر»، مؤكدًا أن الإسلام لا يدعو إلى الاستسلام للظروف أو الرضا بالدونية والتواكل، وإنما يحث على العبادة وعمارة الأرض والقيادة والسيادة، بما يتطلب علو الهمة وإتقان العمل.

معالي الأمور عنوان نهضة الأمم

وأوضح الهواري أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع معيارًا لمعالي الأخلاق والهمم بقوله: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، موضحًا أن معالي الأمور تشمل الهمم الكبيرة، وإتقان العمل، وسمو الأخلاق، والعقول التي تسعى إلى اكتشاف ما ينفع البشرية، والأيدي التي تزرع وتصنع وتبتكر.

وأضاف أن السفساف يتمثل في الهمم التافهة، والرضا بالجهل مع القدرة على التعلم، والقبول بالتبعية والهوان، والكسل الذي يتخفى أحيانًا خلف شعارات زائفة، مؤكدًا أن الأمة التي حملت رسالة الوحي لا يليق بها أن ترضى بموقع متأخر أو تكتفي باجترار أمجاد الماضي.

وأشار إلى أن «أكابر الأمة» يجمعون بين علو الهمة وسمو الخلق وإتقان العمل، فلا ينشغلون بذواتهم ومصالحهم الخاصة، وإنما يسعون إلى مواجهة الجهل والفقر وحماية مقدرات الأمة، ويتجنبون صغائر الخصومات، ويلتزمون الأدب والشرف حتى عند الاختلاف.

الهواري يحذر من انقلاب معايير النجاح

وحذر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية من انقلاب معايير التقدير في المجتمع، بحيث يتحول أصحاب المحتوى التافه إلى نجوم يحظون بالمتابعة والأموال والاهتمام، بينما يتراجع حضور العالم والمفكر والمخترع ومن يعملون في بناء المجتمع.

ولفت إلى أن من مظاهر هذا الواقع انتشار سطحية التفكير واختزال الاهتمامات في الاستهلاك والفضائح والشائعات، واستنزاف طاقات الشباب في الألعاب الإلكترونية والمتابعات الفارغة، على حساب القراءة الجادة والتحليل والابتكار والاهتمام بقضايا التعليم والنهضة العلمية والإنتاج.

وأكد أن تسطيح التدين يمثل أحد أخطر صور السفساف، عندما يتحول الدين إلى مجرد شكل ومظهر مع إغفال قيم العدل والكرامة والإنتاج وعمارة الأرض، محذرًا من أن الرضا بالسفساف لا يمثل مشكلة فردية فحسب، وإنما يتحول إلى خطر حضاري عندما يضعف حضور أصحاب الهمم العالية.

نماذج من «أمة الأكابر»

واستعرض الهواري نماذج من أصحاب الهمم العالية في تاريخ الأمة، من بينهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وموقفه الحازم في مواجهة الردة، وعثمان بن عفان رضي الله عنه وإنفاقه على جيش العسرة، ومصعب بن عمير الذي ترك حياة النعيم وحمل رسالة الإسلام إلى المدينة، وعمر بن عبد العزيز وما أبداه من شعور بالمسؤولية تجاه أحوال الناس.

كما أشار إلى نماذج من علماء الأمة، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي وابن جرير الطبري، بوصفهم نماذج لعلو الهمة في طلب العلم والعمل والإنتاج.

العودة إلى «أمة الأكابر» تبدأ بإعادة تعريف النجاح

وأكد الهواري أن العودة إلى «أمة الأكابر» تبدأ بإعادة تعريف النجاح والقيمة داخل المجتمع، بحيث يحظى العلماء والمبدعون والمربون وأصحاب الأخلاق والعمال المخلصون بالتقدير الذي يستحقونه، بدلًا من تكريس القدوات الزائفة.

ودعا إلى تربية الأبناء على تحمل المسؤولية وصناعة الهمة، وتعريفهم بسير العلماء والمصلحين والعظماء، إلى جانب احترام الوقت، ومحاربة الفراغ، وإتقان العمل، ونبذ الخصومات وتتبع العورات والقيل والقال والحسد والنميمة.

رسالة إلى الشباب: الأمة تحتاج إلى عقولكم

ووجه خطيب الجامع الأزهر رسالة إلى الشباب، قائلًا: «لستم نافلة في الوجود، ولستم عالة على الخلق، وإن الأمة تعيش اليوم مخاضًا عسيرًا، وهي بأشد الحاجة إلى عقولكم النيرة، وسواعدكم القوية، وهممكم الشامخة».

ودعا الشباب إلى الابتعاد عن الشهوات الهابطة، والإقبال على العلم والبحث والابتكار، مؤكدًا أن الحضارة لا تُبنى بالأماني، وإنما بالعمل والعرق والسهر والإخلاص، وأن الأمم لا تستعيد مكانتها إلا بأبنائها أصحاب الهمم العالية.