بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

محمد عبد اللطيف يضع أسس مرحلة جديدة للتعليم.. انضباط المدرسة وتأهيل المعلم وبناء الطالب

-


خطة التطوير تبدأ من الفصل.. اهتمام بالهوية وتأهيل للمعلمين وتطوير لطريقة التعلم


البكالوريا المصرية تغير مسار الثانوية وتمنح الطالب مساحة أوسع للاختيار والتعلم


اللغة العربية والدين والدراسات أولوية داخل المدرسة.. اهتمام أكبر بالمواد المرتبطة بهوية الطالب


تدريب المدرسين يسبق دخول البكالوريا المصرية إلى الفصول


زيادة أيام الدراسة تخفف ضغط المناهج وتتيح وقتا أكبر للشرح والفهم والتطبيق


المدرسة مسؤولة عن العلم والقيم والشخصية ودورها يمتد من التعليم إلى التربية


تشهد منظومة التعليم المصري مرحلة جديدة تحمل رؤية أكثر اتساعا لدور المدرسة، حيث يتقدم الانضباط وجودة التدريس وتأهيل المعلم والاهتمام بالهوية التعليمية في مقدمة الأولويات، بالتوازي مع الاستعداد لتطبيق البكالوريا المصرية وإتاحة وقت أكبر للتعلم والفهم، وهي توجهات يقودها وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف ضمن مسار يستهدف تطوير تفاصيل الحياة المدرسية نفسها، من الحصة التي يحصل عليها الطالب إلى الأدوات التي يمتلكها المعلم، وصولا إلى بناء طالب أكثر قدرة على الفهم والتفكير والتعبير، وأكثر ارتباطا بلغته ومجتمعه ووطنه، فليس من الصعب تغيير كتاب مدرسي أو تعديل جدول حصص أو استحداث نظام للامتحانات، لكن الأصعب هو أن يشعر الطالب بأن المدرسة نفسها أصبحت مكانا مختلفا، وأن الحصة التي يدخلها تستحق حضوره، وأن المعلم الذي يقف أمامه يمتلك الأدوات اللازمة، وأن ما يتعلمه داخل الفصل يرتبط بحياته وشخصيته ومستقبله.

وهذه هي الزاوية الأهم في قراءة التحركات الحالية داخل وزارة التربية والتعليم، فالمسألة لا تبدو مرتبطة بإجراء منفرد بقدر ما ترتبط بإعادة ضبط العلاقة بين عناصر العملية التعليمية، الطالب والمعلم والمدرسة والمنهج والتقييم، وهي علاقة لا يمكن أن يستقيم طرف فيها إذا بقيت الأطراف الأخرى خارج دائرة الإصلاح.

وفي مقدمة هذه المعادلة يأتي الانضباط، ليس باعتباره إجراء إداريا هدفه تسجيل الحضور والانصراف، وإنما باعتباره حقا أصيلا للطالب في أن يحصل على يوم دراسي حقيقي، فالحصة التي لا تكتمل، والمعلم الغائب، والجدول الذي لا ينفذ كما ينبغي، كلها تفاصيل تبدو صغيرة عند النظر إليها منفردة، لكنها تتحول مجتمعة إلى فجوة كبيرة بين ما تقوله المنظومة وما يحصل عليه الطالب فعليا.

ومن هنا تكتسب المتابعة اليومية للمدارس أهميتها، لأن نجاح أي قرار لا يقاس بصياغته وإنما بما يحدث بعد صدوره، والاختبار الحقيقي ليس في التعليمات التي تصل إلى المدارس، بل في الفصل الذي يدخل إليه الطالب كل صباح، وفي انتظام الحصص، وفي قدرة المعلم على أداء دوره، وفي حصول الطالب على حقه الكامل في التعلم، لكن المدرسة لا تؤدي مهمتها بالمعرفة وحدها، فالطالب الذي يحصل على معلومات كثيرة من دون أن يمتلك القدرة على فهمها وتوظيفها، أو من دون أن يعرف لغته وتاريخه وقيم مجتمعه، يخرج من المدرسة بجزء من الصورة فقط.

ولهذا تبدو العناية باللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية جزءا من تصور أوسع لوظيفة التعليم، فاللغة العربية هي الأداة التي يصوغ بها الطالب أفكاره ويفهم بها ما يقرأ، وإتقانها لا يخدم مادة واحدة وإنما ينعكس على قدرته على التعلم في مختلف المجالات، أما التربية الدينية، فقيمتها الحقيقية لا تتوقف عند حدود المنهج، وإنما تمتد إلى ما يتعلمه الطالب من مسؤولية وأمانة واحترام للآخر وإتقان للعمل، وهي قيم لا تقاس في ورقة امتحان بقدر ما تظهر في السلوك، بينما تمنح الدراسات الاجتماعية الطالب معرفة أكثر قربا من وطنه، من تاريخه وجغرافيته ومجتمعه وموقع مصر في محيطها.

والاهتمام بهذه المواد لا يعني العودة إلى تعليم تقليدي مغلق، بل على العكس، فكلما امتلك الطالب لغة قوية ووعيا بتاريخ بلده ومجتمعه وقيمه، أصبح أكثر قدرة على التعامل مع المعرفة الحديثة والانفتاح على العالم بثقة واتزان، وفي قلب هذا المشهد يقف المعلم، لأن أي تطوير مهما بلغت جودة تصميمه يظل محدود الأثر إذا لم يصل إلى الفصل من خلال مدرس يفهمه ويؤمن به ويملك القدرة على تطبيقه، ولهذا فإن تدريب المعلمين ليس ملفا موازيا للتطوير وإنما جزء من صلبه، وتتضح هذه الحقيقة بصورة أكبر مع البكالوريا المصرية، فإدخال نظام جديد إلى المرحلة الثانوية لا يعني فقط تغيير شكل الامتحان أو توزيع المواد، وإنما يتطلب تغييرا في طريقة التعامل مع المعرفة نفسها، من الحفظ والاستظهار إلى الفهم والتحليل والاستنتاج وربط المعلومات واستخدامها.

وهنا يصبح إعداد المعلم هو الخطوة التي تسبق النظام الجديد، لأن المدرس يحتاج إلى فهم فلسفة البكالوريا وآلياتها قبل أن يطلب من الطالب التعامل معها، كما يحتاج إلى أدوات تساعده على إدارة حصة يكون فيها الطالب أكثر مشاركة، ويصبح فيها السؤال والفهم والتحليل جزءا من التعلم اليومي.

والبكالوريا المصرية تفتح في هذا السياق بابا لإعادة التفكير في المرحلة الثانوية، خاصة مع منح الطالب مساحة أكبر في التعامل مع مساره الدراسي وتقليل وطأة فكرة أن مستقبله كله يتحدد في امتحان واحد، لكن نجاح التجربة سيظل مرتبطا بالتطبيق، وبمدى جاهزية المدارس، ووضوح النظام أمام الطلاب وأسرهم، وقدرة المعلمين على الانتقال إلى فلسفة مختلفة في التدريس والتقييم، وهنا تحديدا لا يكفي أن نطرح سؤال «هل النظام جيد؟» وإنما يجب أن نسأل سؤالا أكثر دقة: «هل المنظومة التي ستطبقه جاهزة؟»، لأن أفضل النظم يمكن أن تفقد أثرها إذا دخلت الفصل قبل أن يكون المعلم والمدرسة والطالب مستعدين لها.

ومن هذه الزاوية أيضا يمكن فهم زيادة زمن العام الدراسي، فإتاحة أيام أكثر لا تعني بالضرورة تعليما أفضل، لكن حسن استثمار الوقت يمنح المعلم مساحة أوسع للشرح والمناقشة والتطبيق والمراجعة، ويقلل الحاجة إلى ضغط المناهج في مساحة زمنية ضيقة، والفارق هنا مهم بين زيادة عدد أيام الدراسة وزيادة وقت التعلم الحقيقي، فالمطلوب ليس تقويما دراسيا أطول في حد ذاته، وإنما وقت تعليمي أكثر فاعلية، يستفيد منه الطالب في الفهم والممارسة بدلا من أن يتحول إلى سباق مع موعد انتهاء المنهج.

كما أن تقارب مواعيد بدء الدراسة يمنح الأسر قدرا أكبر من القدرة على تنظيم حياتها والتزاماتها، خصوصا مع وجود أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، لكن القيمة الأهم تظل في انتظام العملية التعليمية واستثمار الوقت المتاح داخل المدرسة، ولا يمكن إغفال الأسرة من هذه المعادلة، لأن المدرسة مهما بذلت لن تستطيع وحدها تغيير علاقة الطالب بالتعليم، وولي الأمر شريك في انتظام أبنائه ومتابعة تقدمهم وفهم طبيعة التطوير، والأهم في الانتقال من ثقافة تختزل النجاح في المجموع إلى ثقافة ترى التعليم استثمارا في شخصية الطالب وقدرته على التفكير.

وهذا ربما يكون جوهر التحول المطلوب، أن تتغير الإجابة عن السؤال الذي يلاحق الطالب طوال سنوات الدراسة، من «كم حصلت؟» إلى «ماذا تعلمت؟»، فالمجموع مهم، لكنه ليس الصورة الكاملة، لأن قيمة التعليم تظهر في قدرة الطالب على الفهم والتعبير والتحليل واتخاذ القرار، وفي ما يحمله معه من معرفة وقيم ووعي بعد انتهاء الامتحان.

ولا يمكن الوصول إلى هذه النتيجة بقرار واحد أو خلال عام دراسي واحد، فالثقافة التعليمية التي تراكمت على مدى سنوات تحتاج إلى وقت حتى تتغير، والإصلاح الحقيقي لا ينجح بالموجات القصيرة وإنما بالاستمرار في المتابعة والتدريب والانضباط وقياس النتائج، ومن هنا فإن التحدي أمام وزارة التربية والتعليم لا يتمثل فقط في إطلاق مسارات جديدة أو تعديل آليات العمل، وإنما في الحفاظ على اتساق هذه الإجراءات مع هدف أكبر، وهو أن تستعيد المدرسة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، تعليم الطالب، وتربيته، وتنمية قدرته على التفكير، وربطه بلغته ومجتمعه، وإعداده لعالم يتغير بوتيرة متسارعة، فالمدرسة المصرية لا تحتاج إلى تغيير شكلها فقط، وإنما إلى استعادة معناها، مدرسة يكون فيها حضور المعلم مؤثرا، والحصة ذات قيمة، والمناهج قابلة للفهم والتطبيق، والهوية جزءا من المعرفة، والانضباط قاعدة للعمل، والطالب طرفا فاعلا في عملية التعلم، وعند هذه النقطة يصبح الحكم على مشروع التطوير أكثر وضوحا، فنجاحه لن يكون في عدد القرارات التي صدرت، ولا في شكل الكتب أو الامتحانات، وإنما في الطالب الذي سيغادر المدرسة بعد سنوات وهو أكثر قدرة على التفكير، وأقوى في لغته، وأوسع معرفة بوطنه، وأكثر استعدادا للتعامل مع المستقبل، وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع تعليمي، أن تتحول المدرسة من مكان يذهب إليه الطالب للحصول على درجة إلى مؤسسة يذهب إليها ليبني قدرته على الحياة.