بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتبة الصحفية كريمة موسى:تكتب ..أحيانا يكون الابتعاد عن بعض الأشخاص هو أقوى قرار للحماية نفسك

-

ليست كل العلاقات تستحق أن نحافظ عليها إلى الأبد، وليست كل صداقة كتبت لها الاستمرارية، وليست كل علاقة انتهت تعني أننا خسرنا إنسانا كان يجب أن يبقى في حياتنا، أحيانا يكون الانسحاب هو القرار الأكثر نضجا، ويكون الابتعاد عن بعض الأشخاص ليس قسوة ولا غرورا ولا كرها، وإنما حفاظا على ما تبقى داخلنا من راحة وكرامة وسلام نفسي،

نحن نميل بطبيعتنا إلى التمسك بمن نحب، حتى عندما تتغير معاملتهم لنا، وحتى عندما نشعر بأن وجودهم أصبح عبئا أكثر منه إضافة، نحاول أن نجد لهم الأعذار، ونبرر تصرفاتهم، ونقول لأنفسنا إنهم ربما يمرون بظروف صعبة، أو أنهم لم يقصدوا إيذاءنا، أو أن الأمور ستتحسن مع الوقت،

لكن المشكلة أن بعض الأشخاص لا يتغيرون، وبعض العلاقات لا تعود كما كانت، مهما بذلنا من جهد،

هناك أشخاص لا يتذكرونك إلا عندما يحتاجون إليك، فإذا انتهت حاجتهم انتهى اهتمامهم، وهناك من يقترب منك عندما تكون قادرا على مساعدته، ثم يختفي عندما تحتاج أنت إلى كلمة طيبة أو موقف صادق، وهناك من يتعامل مع نجاحك وكأنه تهديد له، فيبحث عن التقليل منك بدلا من أن يفرح لك،

وهناك أيضا من يستنزف طاقتك باستمرار، يحول كل حديث إلى مشكلة، وكل موقف إلى خلاف، وكل اختلاف في الرأي إلى معركة، تخرج من الحديث معه وأنت تشعر بالتعب، وتظل تفكر فيما قاله وما كان يجب أن تقوله، وكأنك كنت في مواجهة وليس في حوار،

في المقابل، هناك أشخاص وجودهم في حياتك يشبه الطمأنينة، لا تحتاج أمامهم إلى أن تشرح نفسك طوال الوقت، ولا تخشى أن تستخدم كلماتك ضدك، ولا تشعر أنك مطالب بإثبات قيمتك في كل مرة تلتقيهم فيها، هؤلاء هم الذين يستحقون أن نحافظ عليهم،

الحياة تعلمنا مع مرور السنوات أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد الأشخاص المحيطين به، وإنما بقيمة هؤلاء الأشخاص وتأثيرهم في حياته،

ليس المهم أن تكون لديك عشرات العلاقات، المهم أن يكون بينك وبين من حولك احترام متبادل، وصدق، ومساندة، وقدر من الأمان يجعلك تشعر أنك لست مضطرا لارتداء قناع طوال الوقت،

وأحيانا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بصدق، ماذا أستفيد من هذه العلاقة، هل تمنحني راحة أم تستنزفني، هل أشعر بالتقدير أم أشعر دائما أنني مطالب بالعطاء، هل يقف هذا الشخص إلى جواري عندما أسقط، أم يظهر فقط عندما أكون في أفضل حالاتي،

هذه الأسئلة ليست أنانية، وإنما محاولة لفهم العلاقات بشكل أكثر نضجا،

فليس مطلوبا منك أن تكره من ابتعدت عنه، ولا أن تفضحه، ولا أن تنتقم منه، ولا أن تدخل في معارك لإثبات أنه كان مخطئا، أحيانا يكفي أن تغلق الباب بهدوء، وتمضي في طريقك دون ضجيج،

الابتعاد لا يعني دائما أن الطرف الآخر سيئ، فقد تكون المشكلة أن العلاقة نفسها لم تعد مناسبة لك، ربما تغيرت أنت، أو تغير هو، أو تغيرت الظروف، وأصبح استمرار العلاقة يؤذي الطرفين،

ومن علامات النضج أيضا أن تتوقف عن محاولة إجبار الآخرين على تقديرك، من يريدك سيجد طريقة للحفاظ عليك، ومن يقدرك سيعرف قيمتك دون أن تشرحها له كل يوم، أما أن تقضي عمرك في محاولة إقناع شخص بأهميتك، فذلك استنزاف لا يستحقه قلبك ولا وقتك،

ولا تشعر بالذنب لأنك وضعت حدودا، من حقك أن تقول لا، ومن حقك ألا تجيب عن كل سؤال، ومن حقك أن تبتعد عن الحوار الذي يتحول إلى إهانة، ومن حقك أن تختار الأشخاص الذين تشعر معهم بالأمان، الحدود ليست عداء، بل هي الطريقة التي تخبر بها الآخرين كيف تريد أن تتم معاملتك،

وفي الحياة، ستكتشف أن بعض الأشخاص لا يظهر معدنهم الحقيقي إلا عندما تتوقف عن تقديم ما اعتادوا الحصول عليه منك، عندها ستعرف من كان يحبك لشخصك، ومن كان يحب ما تقدمه له،

لا تحزن كثيرا على الذين خرجوا من حياتك، فبعض الغياب يكشف الحقيقة، وبعض المسافات تعيد إليك نفسك، وبعض الأبواب التي أغلقتها بحزن تكون هي نفسها الأبواب التي تدخل منها الراحة إلى قلبك،

احرص فقط ألا يتحول الابتعاد إلى قسوة، وألا تتحول التجارب السيئة إلى عدم ثقة في الجميع، ما زال في الحياة أشخاص أوفياء، وما زالت هناك صداقات حقيقية، وقلوب تعرف معنى العشرة، وأشخاص يفرحون لفرحك ويحزنون لحزنك دون انتظار مقابل،

لذلك لا تبحث عن كثرة العلاقات، ابحث عن العلاقات التي تشبهك وتحترمك وتضيف إلى حياتك، لا تلك التي تأخذ منك كل شيء ثم تتركك فارغا،

وفي النهاية، تذكر أن السلام النفسي ليس رفاهية، وأن احترام الذات ليس غرورا، وأن الابتعاد عن من يؤذيك ليس هزيمة،

أحيانا يكون أقوى انتصار في حياتك أن تعرف متى تتوقف، ومتى تبتعد، ومتى تقول لنفسك، يكفيني ما تحملت، وحان الوقت أن أختار راحتي،

هنا نؤكد أن ما نكتبه من موضوعات وتجارب إنسانية لا يعني بالضرورة أنها تعكس حياتنا الشخصية أو أننا مررنا بها بأنفسنا، فقد تكون تجارب عاشها أصدقاء أو ربما زملاء في العمل، ننقلها من واقع ما نسمعه ونراه ونلمسه في حياة الآخرين، فالكاتب قد يتناول تجربة لم يعشها شخصيا، لكنه يجد فيها مشاعر وأفكارا تستحق أن تصل إلى القارئ، وربما يجد القارئ فيها قصته وحكايته، أو يرى بين سطورها شيئا من حياته، فيتعلم منها الدروس والعبر، ويستفيد من تجارب الآخرين دون أن يضطر إلى خوض التجربة بنفسه، وليس كل ما نكتبه يخص حياتنا الشخصية، وإنما قد يكون انعكاسا لتجارب إنسانية حقيقية تدور من