محمد طرابيه يكتب : حين يتكلم الرئيس.. فمن يوصل الصوت ؟!

محمد طرابيه يكتب :
حين يتكلم الرئيس.. فمن يوصل الصوت ؟!
جاء خطاب الرئيس السيسى بمناسبة المولد النبوي الشريف واضحاً ومباشراً لا يحتمل التأويل.
الرسالة كانت واحدة: الحكومة عليها أن تسمع للمواطن وتحل مشاكله.
سبع توجيهات محددة تم إعلانها، من ضبط الأسواق وفواتير الكهرباء، إلى مراجعة عقود المطورين العقاريين وتسليم الوحدات، وتكثيف الحملات المرورية، وإنشاء منافذ حكومية للسلع وصولاً إلى تكليف بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات وعرضه على الناس في مؤتمر خلال شهر أكتوبر القادم .
كلام يبعث على الاطمئنان. لكنه في الوقت نفسه يضعنا أمام سؤال عملي وملح: كيف يصل صوت 110 مليون مواطن إلى الحكومة؟ .
بالطبع لا يستطيع الوزير النزول لكل شارع ولا المحافظ المرور على كل قرية.
الجسر الوحيد القادر على نقل الشكوى وشرح القرار ومتابعة التنفيذ هو الإعلام .
الرئيس طلب من الحكومة والمثقفين والإعلام فتح حوار لمدة أسبوع أو عشرة أيام. وقال نصاً: "نتحدث بشفافية ومصداقية.. هذا حق الناس علينا". هذا يعني أن الدولة لا تريد إعلاماً يردد البيانات فقط، بل تريد إعلاماً يشرح، ويناقش، وينقل الواقع كما هو، بالإيجابيات والتحديات.
لكن هل إعلامنا اليوم مهيأ للقيام بهذا الدور؟ .
الإعلامي في النهاية مواطن. كيف أطلب منه أن يجري وراء مشكلة انقطاع المياه في قرية، أو تكدس الفصول في مدرسة، أو طابور العيش، وهو نفسه يعاني من ضعف الإمكانيات وغياب الدعم؟ .
كيف أطلب من قناة أو موقع أن يغطي محافظات مصر كلها وهو لا يملك مراسلين، ولا عربات بث، ولا حتى ميزانية تغطي انتقال صحفى واحد؟
فاقد الشيء لا يعطيه. لا يمكن أن نطالب إعلاماً بإيصال صوت الناس بينما هو نفسه صوته غير مسموع.
المواطن لا يذهب للوزارة ليشتكي. المواطن يفتح التلفزيون، أو يدخل على السوشيال ميديا، أو يسمع الراديو وهو ذاهب الى عمله. هناك يريد أن يجد من يتكلم باسمه.
نحتاج قنوات إقليمية حقيقية تعمل 24 ساعة، تكون عيون الدولة في الصعيد والدلتا والبحر الأحمر وسيناء. تنقل مشكلة الصرف، وتتابع رصف الطريق، وتسأل: لماذا تأخرت الوحدة الصحية؟! .
نحتاج برامج لا تكتفي باستضافة المسؤول ليتحدث عن الإنجاز بل تجلس أيضاً مع المواطن لتسمع الشكوى، ثم تعود للمسؤول لتقول له: "الناس بتقول كذا.. ما الرد؟" .
نحتاج صحافة لا تخاف من كلمة "مشكلة"، لأن تجاهل المشكلة لا يحلها بل يفاقمها ويجعلها مادة للشائعات.
الرئيس قال جملة مهمة: "لا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب".
والتلاعب بحقوق الشعب لا يكون بالسرقة فقط. يكون أيضاً بتجاهل صوته، أو بتجميل الصورة على حساب الواقع.
مؤتمر أكتوبر فرصة. لكنه سيفشل إذا تحول إلى استعراض للإنجازات فقط. سينجح إذا كان هناك إعلام قوي ينقل للناس ما تم ويسأل: وماذا عن الذي لم يتم بعد؟ ولماذا؟ ومتى؟ .
توجيهات الرئيس وضعت الحكومة أمام مسؤولياتها. والمسؤولية الأكبر الآن على الإعلام.
إعلام حر، قوي، موجود في الشارع ويملك أدواته ويملك شجاعة نقل الحقيقة كاملة.
إذا أردنا أن يشعر المواطن أن "الحكومة بتسمعه" فلنبدأ من هنا.
لأن المواطن الذي يشعر أن صوته وصل هو مواطن سيصبر وسيعمل وسيصدق.
أما المواطن الذي يصرخ ولا يجد من يسمعه، فحتى لو تحققت كل الإنجازات، سيظل يقول: "محدش حاسس بينا".
الكرة الآن في ملعب الحكومة.. وفي ملعب الإعلام.
[4:53 م، 2026/8/28] أ/ صالح بوابة الدولة: مقال

