وزير الأوقاف: أقول لكل إنسان على ظهر الأرض غالبوا الكراهية والأنانية واغلبوها

قال الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، أنه بمناسبة هذه الذكرى العطرة للمولد النبوي الشريف، قمنا في وزارة الأوقاف بإخراج كتاب مختصر حول الشمائل النبوية المحمدية الشريفة، وأصدرناه هدية لمجلة منبر الإسلام لعدد هذا الشهر الكريم ربيع الأول الأنور، ثم قمنا بترجمة الكتاب إلى عشرين لغة وهي: الأذربيجانية، والأردية، والإسبانية، والألمانية، والإنجليزية، والأوزبكية، والإيطالية، والتركية، والصينية، والعربية، والفارسية، والفرنسية، والكازاخية، والكردية، والمالايو، والروسية، والسواحيلية، والهاوسا، واليابانية، واليونانية، مع إصدار خاص لذوي البصائر؛ بلغة برايل، وقمنا بطباعة ذلك كله، وعقب كلمتي هذه أتشرف بتقديم كل ذلك هدية إليكم فخامة الرئيس، واليوم بإذن الله تعالى نطلق كل هذه الترجمات بصيغة الـ PDF ، على كل منصاتنا الرقمية، ونرسله كذلك إلى كل أصدقائنا وأشقائنا في الدول الناطقة باللغات المذكورة، في الوزارات والهيئات الإسلامية في تلك الدول وغيرها، لنشيع في العالم كله من أرض الكنانة مصر قبسا من الرحمة والنور والسمو، النابع من الشمائل والخصال والأخلاق المحمدية المشرفة.
وأضاف خلال كلمته باحتفال الوزارة بالمولد النبوى الشريف بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسى، وليس هذا مجرد مجهود خاص بكتاب بعينه، بل هو نموذج تجريبي لاستكمال أدوات وزارة الأوقاف لصناعة ملفات وكتب مشابهة في كل القضايا المهمة، حتى نتمكن بصورة مستدامة من توجيه خطاب ديني رشيد ومنير للعالم كله، بكل اللغات المذكورة وغيرها، في كل محور مهم نحمل أمانته.
مفتاح الدين هو الرحمة
وتابع: فقد وقفت في ذكرى المولد النبوي الشريف، أتأمل قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧)، فتعجبت من هذا التعبير القرآني الفريد، (وما أرسلنك إلا رحمة)، لماذا استعمل كلمة(رحمة)، ولم يقل مثلا: (وما أرسلناك إلا محبة للعالمين)، مع شدة تعظيمه لشأن المحبة حتى قال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، فالشأن كله هنا محبة، واتباع يفضي إلى المحبة، وقال صلوات الله وتسليماته عليه: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وغير ذلك كثير من تعظيم شأن المحبة، فلماذا عدل عن ذلك كله، ولم يقل: (وما أرسلناك إلا محبة للعالمين)، بل اختار سبحانه أن يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)؟.
وقد تأملت هذا حتى انفتح لي فهم في ذلك، وهو أن الله تعالى أراد أن يجعل مفتاح القضية ومفتاح الدين هو الرحمة، حتى ترحم الإنسان وإن كرهته، فإذا تحرك معنى الرحمة في قلبك، ورق قلبك وأشفق ولان، فإن هذا المعنى الرحيم الطاهر، يجعلك تحسن المعاملة وإن كرهت، ثم لعل حال الرحمة هذا أن يغسل القلب ويطهره وينظفه من الكراهية، فتولد المحبة من بعد ذلك، فكانت الرحمة مفتاح الإحسان في المعاملة من قريب، وكانت أيضا مفتاح المحبة من بعيد.
ولعل هذا هو المعنى الذي أراده الله حين وصف علاقة الزوجين بقوله: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (سورة الروم: ٢١)، فاستعمل كلمة المودة التي هي المحبة أولا، ثم انتقل إلى كلمة الرحمة، وكأنه سبحانه يقول: ابنوا البيوت وأقيموا العلاقة الزوجية على الحب والود، فإن لم يوجد الحب والود، أو تنغص لأي سبب، فتنزلوا من الحب إلى الرحمة، ليرحم الزوجان أحدهما الآخر وإن وجدت ضغينة أو كراهية، لعل الرحمة أن تعيد توليد معنى المودة مرة أخرى، حتى قال الحكيم قديما في صفة أرقى صور معاملة الزوج لزوجته: (إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها).
ولعل هذا هو المعنى الذي أراده الله حين بدأ القرآن العظيم بقوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ١)، ولم يقل بسم الله المحب لعباده أو المحبوب منهم، أو القدير أو العليم أو الحكيم أو الخلاق أو أي وصف من أوصاف الكمال العظمى، لماذا ترك سبحانه كل ذلك واختار صفة الرحمن، الرحيم؟ ليعلمنا الله تعالى أنه سيرحم العبد وإن عصى، فكيف به إذا أطاع، فإنه حينئذ يحبه، فقال في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، لأن أصل معاملته سبحانه لعباده هو الرحمة، والرحمة لمن نحب ولمن لا نحب، ولأجل هذا قال سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف: ١٥٦)، وقال: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) (غافر: ٧).
فتظهر لنا بذلك الحكمة في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وفي ذكرى ميلاد سيد الخلق ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، أقول لشعب مصر العظيم، وللأمة العربية والإسلامية، ولكل إنسان على ظهر الأرض، غالبوا الكراهية والأنانية واغلبوها، وأطفئوا نيرانها بالرحمة، وطهروا ونظفوا بالرحمة قلوبكم من الكراهية، وأتيحوا بذلك الفرصة لقلوبكم أن تولد فيها معاني المحبة، حتى تنبت فيها شجرة الخلق الكريم، وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الذكرى، سيدنا محمد الذي وصفه سبحانه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤).

