بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

محمد طرابيه يكتب: مديونيات ماسبيرو.. متى تنتهي؟

الكاتب الصحفي محمد طرابيه
-

في خطوة جديدة على طريق الإصلاح المالي الحكومي، عاد ملف مديونيات ماسبيرو لبنك الاستثمار القومي إلى دائرة الاهتمام، بعد اجتماع موسع عقده الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، مع أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، لبحث آليات فض التشابكات المالية وتسوية المديونيات التاريخية المستحقة لبنك الاستثمار القومي لدى ماسبيرو.

ويأتي هذا الاجتماع في إطار توجيهات القيادة السياسية، وبمتابعة من الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، للإسراع في إنهاء التشابكات بين بنك الاستثمار القومي والهيئة الوطنية للإعلام، وهو ملف ظل لسنوات طويلة واحدا من أكثر الملفات المالية تعقيدا داخل ماسبيرو، الأمر الذي يجعل التحرك الحالي محل اهتمام كبير، خاصة أن القضية لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل أو الدوران في دائرة الاجتماعات دون الوصول إلى نتيجة نهائية.

والحقيقة أن عودة هذا الملف إلى دائرة الضوء تطرح سؤالا أكبر من مجرد عقد اجتماع جديد أو فتح باب التفاوض من جديد: هل اقتربت بالفعل لحظة إغلاق ملف مديونيات ماسبيرو، أم أننا أمام جولة أخرى من الاجتماعات التي تنتهي دون حلول نهائية؟ فالمشكلة لم تعد في تشخيص الأزمة، لأن الجميع يعرف أن هناك تشابكات مالية تاريخية، وإنما أصبحت المشكلة الحقيقية في الوصول إلى تسوية واضحة وعادلة ومعلنة تنهي هذا الملف بصورة نهائية.

بنك الاستثمار القومي نفسه يسير حاليا في اتجاه لإعادة الهيكلة وتعظيم العائد على أصوله وتقوية ملاءته المالية، حتى يستطيع استعادة دوره الاستراتيجي باعتباره أحد الأذرع الرئيسية للتمويل التنموي في الدولة، ومن هنا تصبح تسوية مديونيات ماسبيرو جزءا من صورة أكبر تتعلق بإعادة ترتيب التشابكات المالية داخل الدولة، وليس مجرد حسابات بين جهتين حكوميتين يمكن تأجيلها من عام إلى آخر.

واللافت أن الدولة قطعت شوطا مهما خلال الفترة الماضية في تسوية مديونيات تاريخية مع جهات أخرى، حيث شهد شهر يونيو الماضي توقيع اتفاقيتين إطارّيتين لتسوية مديونيات تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، بقيمة تتجاوز 196 مليار جنيه، وشملت الشركات التابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، والهيئة الزراعية المصرية، وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول أسباب استمرار ملف ماسبيرو مفتوحا حتى الآن.

إذا كانت الدولة استطاعت التعامل مع مديونيات تتجاوز 196 مليار جنيه لدى جهات أخرى، فلماذا لا يزال ملف ماسبيرو مفتوحا؟ وهل تكمن المشكلة في حجم المديونية، أم في طبيعة الأصول التي يمكن أن تدخل في التسوية، أم في تعدد الجهات صاحبة العلاقة بهذا الملف؟ والأهم من ذلك كله، هل توجد إرادة حقيقية للوصول إلى اتفاق نهائي ينهي سنوات طويلة من التشابكات المالية، أم أن الملف سيظل ينتقل من لجنة إلى لجنة ومن اجتماع إلى اجتماع؟

المشكلة أن ملف الهيئة الوطنية للإعلام لا يزال يفتقد إلى أهم عنصر في أي تسوية مالية، وهو الوضوح الكامل للأرقام، فلا يزال الرأي العام والعاملون في ماسبيرو ينتظرون معرفة الرقم الحقيقي للمديونية التاريخية المستحقة لبنك الاستثمار القومي، خصوصا مع تداول معلومات عن فوائد سنوية تقترب من 7 مليارات جنيه يتم خصمها من موازنة الهيئة لصالح البنك.

وإذا كان هذا الرقم قريبا من الحقيقة، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: كيف وصلت المديونية إلى هذه المستويات؟ وكيف تراكمت طوال السنوات الماضية؟ وهل استمرار دفع فوائد بهذا الحجم يعالج أصل المشكلة أم أنه يؤجلها فقط؟ وهل ما يتم دفعه سنويا يمكن أن يمثل جزءا من الحل إذا تم توجيهه إلى تسوية أصل الدين، أم أن استمرار هذه الدائرة يعني أن المديونية ستظل تنتج مديونية جديدة عاما بعد آخر؟

وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بالأصول التي يمكن أن تدخل ضمن عملية التسوية، حيث تتردد معلومات عن إمكانية دخول أماكن تابعة للهيئة الوطنية للإعلام، مثل مراكز الإرسال والبحوث، ضمن الخيارات المطروحة لإنهاء المديونية، وهنا لا بد من معرفة التفاصيل كاملة: ما هي هذه الأصول؟ وما قيمتها؟ وهل التخلي عنها يمكن أن يؤثر على القدرة التشغيلية للهيئة أو على خطط تطويرها خلال السنوات المقبلة؟

فالحديث عن أصول ماسبيرو ليس مجرد حديث عن مبان أو أراض يمكن نقل ملكيتها من جهة إلى أخرى، وإنما يتعلق بمقومات ترتبط بعمل مؤسسة إعلامية تمتلك تاريخا طويلا وبنية أساسية وخبرات بشرية وإمكانات تشغيلية، ولذلك فإن أي تسوية يجب أن تراعي ألا يؤدي حل المشكلة المالية إلى خلق مشكلة أخرى تمس قدرة الهيئة على أداء دورها الإعلامي والمؤسسي.

ثم يأتي ملف شديد الأهمية، وهو عوائد شركتي مدينة الإنتاج الإعلامي والنايل سات، خاصة إذا كانت عوائد الشركتين يتم تحويلها حاليا إلى بنك الاستثمار القومي باعتبارها جزءا من مسار سداد المديونية، وهنا يبرز سؤال واضح: ماذا سيحدث لهذه العوائد بعد انتهاء التسوية؟ وهل ستعود إلى الهيئة الوطنية للإعلام لتستخدمها في تطوير مؤسساتها وشبكاتها واستديوهاتها وبنيتها التكنولوجية، أم ستظل هناك التزامات أخرى تستنزف هذه الموارد؟

وهذا السؤال تحديدا يجب ألا يمر دون إجابة، لأن الهدف من أي تسوية لا ينبغي أن يكون فقط إغلاق مديونية قديمة، وإنما يجب أن يكون فتح الباب أمام مستقبل مختلف لماسبيرو، بحيث تستطيع الهيئة توجيه مواردها نحو التطوير والإنتاج وتحسين الخدمات الإعلامية، بدلا من استمرار استنزاف جانب كبير من مواردها في سداد التزامات وفوائد تراكمت على مدار سنوات طويلة.

ثم نصل إلى السؤال الذي ربما يكون الأكثر إلحاحا لدى العاملين والمتابعين، وهو: متى ينتهي هذا الملف؟ فقد شهدت السنوات الماضية محاولات واجتماعات وتصريحات كثيرة بشأن فض التشابكات، لكن النتيجة النهائية لم تصل بعد إلى العاملين والرأي العام بالصورة التي تنهي حالة الجدل، وهو ما جعل الحاجة إلى قرار حاسم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

المطلوب الآن ليس اجتماعا جديدا فقط، وإنما جدول زمني واضح ومعلن لإنهاء الملف، مع تحديد قيمة المديونية، وطبيعة التسوية، والأصول التي ستدخل فيها، ومصير عوائد الشركات، والموعد الذي يصبح فيه هذا الملف جزءا من الماضي، لأن كثرة الاجتماعات دون نتائج ملموسة تضعف الثقة في إمكانية الوصول إلى حل نهائي.

ولا شك أن تحرك وزارة التخطيط وعودة التنسيق المباشر مع الهيئة الوطنية للإعلام يمثلان خطوة إيجابية، خاصة في ظل خطة إعادة هيكلة بنك الاستثمار القومي وتعظيم العائد على أصوله، لكن ماسبيرو يحتاج إلى أكثر من ذلك، ويحتاج إلى تسوية تحفظ حقوق بنك الاستثمار القومي، وفي الوقت نفسه لا تستنزف ما تبقى من قدرات الهيئة الوطنية للإعلام.

ماسبيرو يحتاج إلى حل يوقف نزيف الفوائد، ويحرر موارده تدريجيا، ويمنحه فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساته وتطوير أدواته واستعادة دوره، فليس من المنطقي أن تظل مؤسسة إعلامية بحجم وتاريخ ماسبيرو منشغلة عاما بعد عام بمديونيات تاريخية، بينما يتغير العالم الإعلامي من حولها بسرعة هائلة، وتزداد الحاجة إلى استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والمحتوى والمنصات الرقمية.

والحل لا يجب أن يكون على حساب بنك الاستثمار القومي، كما لا يجب أن يكون على حساب ماسبيرو، وإنما المطلوب هو معادلة عادلة تنهي التشابكات وتحفظ أموال الدولة وتضع الهيئة الوطنية للإعلام على بداية طريق جديد، بحيث تتحول التسوية من مجرد إغلاق حسابات قديمة إلى خطوة حقيقية لإعادة بناء مؤسسة إعلامية قادرة على المنافسة والتطور.

لقد حان الوقت لبيان رسمي شفاف يجيب بوضوح عن الأسئلة التي ظلت معلقة لسنوات: ما حجم الدين؟ وما قيمة الفوائد؟ وما المقابل في التسوية؟ وما مصير الأصول؟ وما مستقبل عوائد مدينة الإنتاج الإعلامي والنايل سات؟ ومتى ينتهي الملف نهائيا؟ فهذه الأسئلة لم تعد تخص العاملين في ماسبيرو وحدهم، وإنما تتعلق بإدارة أصول الدولة ومواردها ومستقبل واحدة من أهم المؤسسات الإعلامية في مصر.

وبدون إجابات واضحة، سيظل ملف مديونيات ماسبيرو عبئا يطارد الهيئة الوطنية للإعلام، وسيظل بنك الاستثمار القومي محرومًا من جزء من حقوقه، وسيظل ماسبيرو يدفع ثمن أزمة تراكمت على مدار سنوات، بينما تتآكل الموارد التي كان من الممكن أن يتم توجيهها إلى التطوير والتحديث وتحسين الأداء الإعلامي.

أما إذا نجحت الحكومة في الوصول إلى تسوية عادلة وسريعة ومدروسة، فقد تكون هذه التسوية نقطة تحول حقيقية، ليس في الملف المالي فقط، وإنما في مستقبل ماسبيرو كله، لأن إنهاء المديونية يمكن أن يمنح الهيئة مساحة أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها، واستثمار مواردها في المستقبل بدلا من استمرار الانشغال بأعباء الماضي.

لقد حان الوقت لأن يتحول ملف مديونيات ماسبيرو من ملف مفتوح على مائدة الاجتماعات إلى ملف مغلق بقرار واضح، فالوقت لم يعد يسمح بمزيد من التأجيل، وماسبيرو في حاجة إلى فرصة حقيقية لإعادة الانطلاق، وبنك الاستثمار القومي في حاجة إلى تسوية تضمن له حقوقه، والدولة في حاجة إلى إنهاء هذه التشابكات بما يحفظ المال العام ويحقق المصلحة العامة.

الكرة الآن في ملعب الحكومة، والمطلوب فعلا لا قولا، وتسوية نهائية لا اجتماعا جديدا، وقرار واضح يضع نهاية لواحد من أقدم ملفات التشابكات المالية، ويفتح أمام ماسبيرو الباب نحو مرحلة جديدة يستطيع خلالها أن يستعيد دوره ومكانته وقدرته على التطوير.