مصانع أسمنت بني سويف قنبلة بيئية فوق صفيح ساخن

لم تعد قضية مصانع الأسمنت في بني سويف مجرد ملف صناعي عابر، وإنما تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بين المواطنين، في ظل شكاوى متكررة من الأدخنة والأتربة والانبعاثات، ومطالبات بإعادة فتح الملف البيئي بكل ما يحمله من تفاصيل، ووضع نتائج أعمال التفتيش والقياسات أمام الرأي العام.
فالدولة عندما فتحت أبواب الاستثمار أمام صناعة الأسمنت في صعيد مصر، لم تمنح المستثمرين فرصة إقامة المصانع والإنتاج فقط، وإنما ارتبط ذلك بالالتزام الكامل بالاشتراطات والقواعد البيئية التي تحمي المواطنين وتحافظ على الموارد الطبيعية وبينما تمثل صناعة الأسمنت نشاطًا اقتصاديًا مهمًا وتوفر فرص عمل، فإن طبيعتها كصناعة ثقيلة تجعل الرقابة البيئية عليها ضرورة مستمرة، خاصة فيما يتعلق بالأتربة والانبعاثات وأنظمة التحكم والفلاتر ومن هنا تأتي خطورة الملف في بني سويف، حيث يطالب مواطنون بإعادة فحص أوضاع مصانع الأسمنت والتأكد من الالتزام الكامل بالاشتراطات البيئية، بعيدًا عن الحملات الشكلية أو التقارير التي لا يراها المواطن على أرض الواقع.
الدخان في السماء وشكاوى لا تهدأ
تتحدث شكاوى الأهالي عن أدخنة وأتربة تظهر في محيط بعض المنشآت الصناعية، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن جودة الهواء، خاصة في المناطق القريبة من التجمعات السكنية والمنشآت والخدمات.
ولا يمكن اعتبار ظهور الدخان وحده دليلًا قاطعًا على مخالفة بيئية، لكن تكرار الشكاوى يجعل الأمر بحاجة إلى قياسات بيئية حديثة ومعلنة تكشف حقيقة الانبعاثات ومدى مطابقتها للحدود القانونية فالقضية في النهاية ليست قضية صور أو مشاهدات، وإنما قضية أرقام وتقارير فنية ونتائج تفتيش
تيتان اسم حاضر في قلب الملف
ويأتي مصنع بني سويف للأسمنت التابع لشركة تيتان مصر ضمن المصانع التي يطالب مواطنون بإعادة فحص موقفها البيئي، خاصة فيما يتعلق بالانبعاثات وأنظمة التحكم في الأتربة وتدور بين المواطنين تساؤلات وشكاوى بشأن مدى كفاءة الفلاتر وأنظمة السيطرة على الأتربة والانبعاثات، وهي أمور لا يمكن حسمها إلا من خلال التفتيش الفني والقياسات الرسمية ولهذا فإن المطلوب ليس اتهام المصنع أو إدانته مسبقًا، وإنما فتح الملف من جديد، وفحصه ميدانيًا، وإعلان نتائج القياسات الرسمية.
فلاتر تحت المجهر
الفلاتر ليست مجرد معدات مثبتة داخل المصنع، وإنما منظومة متكاملة يجب أن تعمل بكفاءة، وتخضع للصيانة والمتابعة والقياس وأي خلل في التشغيل أو الصيانة قد ينعكس على مستوى
الانبعاثات، ولذلك فإن الرقابة الحقيقية يجب أن تمتد إلى كفاءة أنظمة التحكم، وسجلات الصيانة، ونتائج الرصد
والقياسات وهنا تصبح الزيارات المفاجئة أكثر أهمية، لأنها تكشف مستوى الالتزام الفعلي بعيدًا عن الزيارات المعدة مسبقًا.
ملف قديم على مائدة المجلس المحلي
المثير في القضية أن ملف مصانع الأسمنت والتأثيرات البيئية للصناعة سبق طرحه ومناقشته داخل المجلس المحلي لمحافظة بني سويف قبل ثورة 25 يناير، خلال مؤتمر تناول المسؤولية الاجتماعية للمصانع الملوثة للبيئة
وشهدت تلك المناقشات حضور عدد من القيادات التنفيذية والشعبية والخبراء والمتخصصين، وطرحت خلالها مطالب وتوصيات تتعلق بالتوسع في صناعة الأسمنت وخطوط الإنتاج الجديدة، وضرورة الالتزام بالاشتراطات البيئية وعدم إقامة توسعات بالمخالفة للقواعد والموافقات اللازمة.
كما شهدت المناقشات آنذاك تأكيدات على ضرورة مراعاة البعد البيئي والاجتماعي عند إقامة المشروعات الصناعية، والتعامل مع أي نشاط قد يمثل ضررًا على المواطنين وفق القانون.
لكن مرور السنوات أعاد الملف إلى الواجهة، مع استمرار مطالب المواطنين بضرورة تحديث البيانات وإعادة تقييم الوضع البيئي الحالي.
نعيش وسط هواجس بيئية
ويقول علاء رمضان أبو حوام، المحامي، إن المواطنين القاطنين بالقرب من المناطق الصناعية يحتاجون إلى ضمانات حقيقية بشأن جودة الهواء والالتزام بالاشتراطات البيئية.
ويطالب بزيادة التفتيش على المنشآت الصناعية، خاصة فيما يتعلق بالأتربة والانبعاثات، مؤكدًا أن حماية البيئة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من منظومة الاستثمار.
الشكاوى مستمرة
ويؤكد محمد أحمد عبدالموجود، سائق، أن شكاوى المواطنين بشأن التلوث والأدخنة تحتاج إلى اهتمام أكبر من الجهات المختصة، مشيرًا إلى أن المواطن يريد أن يرى نتائج حقيقية للرقابة على أرض الواقع.
ويطالب بإجراء حملات مفاجئة وقياسات دورية، وإعلان نتائجها للرأي العام.
الرقابة المفاجئة هي الحل
ويطالب أحمد محمد ثابت، المحامي، المحافظ والأجهزة المختصة بتكثيف الحملات المفاجئة على مصانع الأسمنت، وإجراء قياسات بيئية دقيقة، واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي مخالفة تثبتها الجهات الرقابية.
ويؤكد أن حماية المواطن لا تتعارض مع حماية الاستثمار، وإنما المطلوب هو تطبيق القانون على الجميع.
الشركة الوطنية للأسمنت ملف آخر يحتاج إلى متابعة
ولا يتوقف الملف عند مصنع واحد، إذ يمتد إلى مجمع مصانع الشركة الوطنية للأسمنت ببني سويف، بما يمثله من نشاط صناعي كبير.
وتفرض طبيعة هذا النشاط ضرورة استمرار الرقابة على الانبعاثات والأتربة وأنظمة التحكم البيئي، والتأكد بصورة دورية من مطابقة التشغيل للاشتراطات القانونية.
البيئة ليست رفاهية
المشكلة الحقيقية أن التعامل مع البيئة باعتبارها ملفًا ثانويًا قد يؤدي إلى تراكم المشكلات.
فالهواء لا يعرف حدود المصنع، والانبعاثات إذا تجاوزت الحدود القانونية لا تتوقف عند أسوار المنشأة.
ولهذا فإن حماية البيئة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمصانع والمجتمع، مع ضرورة أن تكون الرقابة مستقلة وفعالة.
لا أحد فوق القانون
المواطنون لا يطالبون بإغلاق المصانع أو وقف الاستثمار، وإنما يطالبون بأن تسير الصناعة وفق القانون، وأن تكون حماية البيئة جزءًا أصيلًا من عملية الإنتاج.
فإذا أثبتت القياسات سلامة الانبعاثات، فليطمئن المواطن.
وإذا أثبتت وجود مخالفات، فلتتخذ الإجراءات القانونية.
المعيار هو القياس والتفتيش والمستند، وليس التقديرات أو الانطباعات.
ملف ينتظر الحسم
بعد سنوات من المناقشات المحلية والشكاوى المتكررة، أصبح ملف مصانع الأسمنت في بني سويف بحاجة إلى إعادة فتح شاملة، تتضمن أحدث القياسات البيئية، ومراجعة أنظمة التحكم في الانبعاثات، وفحص كفاءة الفلاتر، ومراجعة أعمال الصيانة، وحصر أي مخالفات ثبتت رسميًا والإجراءات التي اتخذت بشأنهاالمواطن يريد الحقيقة كاملة، ويريد أن يعرف هل البيئة محمية بالفعل أم أن هناك مخالفات تحتاج إلى تدخل عاجل بني سويف تستحق صناعة قوية، لكنها تستحق في الوقت نفسه هواءً نظيفًا وبيئة آمنة ورقابة لا تعرف المجاملة.
فالاستثمار مسؤولية، والبيئة مسؤولية، وصحة المواطن مسؤولية، وأي تقصير يثبت رسميًا يجب أن يواجه بالقانون.


