بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : وما نيل المطالب بالتمني ومن طلب العلا سهر الليالي

 المستشار محمد سليم
-

هناك عبارات قليلة تختصر تجارب الحياة كلها، وتضع أمام الإنسان حقيقة لا يمكن تجاوزها، ومن أصدق هذه العبارات: «وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا»، و«من طلب العلا سهر الليالي، ومن جد وجد، ومن زرع حصد»، وهي كلمات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دروسا عميقة في معنى السعي، وقيمة العمل، وأهمية الصبر، وضرورة أن يتحول الحلم من مجرد أمنية إلى هدف، ومن هدف إلى خطة، ومن خطة إلى واقع يتحقق بالإصرار والاجتهاد

فكثيرون يتمنون النجاح، ويتطلعون إلى الوصول، ويحلمون بمكانة أفضل وحياة أكثر استقرارا، لكن المشكلة أن البعض يتعامل مع الأمنيات وكأنها تكفي وحدها لصناعة المستقبل، فينتظر أن تأتيه الفرصة دون أن يبحث عنها، وأن يفتح له الطريق دون أن يطرق الأبواب، وأن يحصل على النتيجة دون أن يدفع ثمنها، وهنا يأتي المعنى الحقيقي لقولنا: «وما نيل المطالب بالتمني»، فالحياة لا تمنح ثمارها لمن يكتفي بالنظر إلى الأشجار، وإنما تعطيها لمن يزرع ويسقي ويصبر حتى يأتي وقت الحصاد

إن الأمنيات بداية جميلة، لكنها ليست النهاية، فكل إنجاز كبير بدأ بحلم، وكل مشروع عظيم بدأ بفكرة، وكل نجاح كان في لحظة من اللحظات مجرد أمنية في قلب صاحبه، لكن الفرق بين من حقق حلمه ومن ظل يرويه للآخرين أن الأول لم يتوقف عند حدود التمني، وإنما تحرك وبدأ وخاطر وتعلم من أخطائه، بينما ظل الثاني ينتظر الظروف المثالية التي قد لا تأتي أبدا

ومن هنا تأتي الحكمة الخالدة: «من طلب العلا سهر الليالي»، فالوصول إلى القمة يحتاج إلى بذل، والتميز يحتاج إلى جهد، والنجاح الحقيقي لا يولد من الراحة الدائمة، وإنما يأتي بعد ساعات طويلة من العمل والتعلم والتجربة والمراجعة، وقد يكون السهر هنا بمعناه الأوسع، أي أن يكون الإنسان مستيقظا لهدفه، واعيا بواجباته، مستعدا لتقديم الوقت والجهد في سبيل ما يؤمن به، لأن من يطلب العلا عليه أن يعرف أن الطريق إليها له ثمن، وأن من لا يريد دفع الثمن سيظل واقفا في المكان نفسه

وليس المقصود من السعي أن تكون الحياة كلها صراعا أو تعبا بلا توقف، وإنما أن يعرف الإنسان قيمة ما يريد، وأن يدرك أن لكل نتيجة سببا، ولكل نجاح مقدمة، ولكل وصول رحلة، فالطالب لا يحصل على التفوق بمجرد تمني النجاح، والموظف لا يصل إلى التميز بمجرد انتظار التقدير، ورجل الأعمال لا يبني مشروعا ناجحا بمجرد امتلاك الفكرة، وإنما يحتاج الجميع إلى العمل الحقيقي الذي يحول الإمكانات إلى إنجازات

ولهذا أيضا جاءت العبارة البسيطة والعميقة: «ومن جد وجد»، فالاجتهاد لا يضمن أن يكون الطريق سهلا، لكنه يزيد فرص الوصول، ويمنح الإنسان القدرة على مواجهة الصعوبات، ويجعله أكثر استعدادا لاقتناص الفرص عندما تظهر، وفي الحياة أمثلة لا تنتهي لأشخاص لم يكونوا الأكثر حظا، ولا الأكثر إمكانات، ولكنهم كانوا الأكثر إصرارا، فلم يسمحوا للفشل أن يصبح نهاية الطريق، وإنما جعلوا منه درسا يساعدهم على بداية جديدة

أما «ومن زرع حصد»، فهي القاعدة التي تلخص النتيجة كلها، لأن الإنسان في النهاية يحصد ما زرعه، فمن زرع الاجتهاد حصد التميز، ومن زرع الأمانة حصد الثقة، ومن زرع الإخلاص حصد التقدير، ومن زرع المعرفة حصد الخبرة، ومن زرع الخير وجد أثره في الناس، وفي المقابل فإن من يزرع الإهمال والتكاسل والتردد لا ينبغي أن يتعجب عندما يجد نفسه بعيدا عن المكان الذي كان يحلم به

والأخطر من ذلك أن بعض الناس يريدون نتائج كبيرة في وقت قصير، وعندما لا يجدونها بسرعة يصابون بالإحباط، وكأن النجاح معادلة سريعة لا تحتاج إلى وقت، بينما الحقيقة أن معظم الإنجازات الكبرى احتاجت إلى سنوات من العمل الهادئ الذي لم يره أحد، وإلى محاولات فشلت، وقرارات صعبة، وأوقات شك وتعب، لكن أصحابها لم يتوقفوا عند أول عقبة، لأنهم كانوا يعرفون أن الطريق الطويل لا يعني أن الوصول مستحيل

كما أن الإنسان يجب ألا يقارن بدايته بنهاية الآخرين، فلكل شخص ظروفه، ولكل نجاح قصة لا تظهر كلها أمام الناس، وما نراه من مكانة أو نجاح قد يكون نتيجة سنوات من الكفاح والصبر، ولذلك يجب أن تكون المقارنة الحقيقية بين الإنسان ونفسه، بين ما كان عليه بالأمس وما أصبح عليه اليوم، وهل تقدم خطوة إلى الأمام أم ظل يكرر الكلام نفسه والأعذار نفسها

وفي النهاية، تظل القاعدة واضحة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: «وما نيل المطالب بالتمني»، لأن الأمنيات وحدها لا تصنع مستقبلا، و«من طلب العلا سهر الليالي»، لأن القمم لها ثمن، و«من جد وجد»، لأن الاجتهاد يصنع الفارق، و«من زرع حصد»، لأن النتائج في النهاية تأتي على قدر ما قدم الإنسان من جهد وصبر وإخلاص

فلا تنتظر أن تأتيك الحياة بما تتمنى وأنت واقف في مكانك، ولا تجعل الحلم بديلا عن العمل، ولا تجعل التأخير سببا للاستسلام، ابدأ بما تملك، واستثمر ما تستطيع، وتعلم من كل تجربة، وواصل الطريق مهما طال، فرب خطوة صغيرة اليوم تكون بداية لإنجاز كبير غدا، ورب محاولة ظننت أنها لن تنجح تكون هي الطريق الذي يقودك في النهاية إلى المكان الذي طالما حلمت بالوصول إليه

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض