لماذا يتراجع فيسبوك أمام تيك توك؟

منذ وقت ليس ببعيد، كان فيسبوك هو الإنترنت نفسه بالنسبة لملايين البشر. تفتح الهاتف، فتجد عليه أخبار أصدقائك، وصور عائلتك، ومقالات القراءة، وحين ترغب في بيع أريكة قديمة أو البحث عن عمل تجد بغيتك هناك أيضاً. لكن في السنوات القليلة الماضية، انقلبت الطاولة فجأة. ظهر تطبيق صيني صغيّر قائم على مقاطع فيديو قصيرة وموسيقى سريعة، واستطاع في وقت قياسي أن يسرق العقول والأبصار، بل وأن يغير طريقة استهلاكنا للإنترنت كلياً.
اليوم، لم تعد المنافسة مجرد سباق بين تطبيقين على هواتفنا، بل صراع حقيقي بين طريقتين تفكر بهما شركتان giant حول كيفية قضاء الناس لأوقات فراغهم.
قد يهمك: كيفية فتح تيك توك من جوجل
كيف سحب تيك توك البساط من تحت الأقدام؟
إذا أردنا أن نفهم سر هذه القفزة المذهلة لتيك توك، فعلينا أن ننظر إلى الأرقام ونحلل السلوك الإنساني بعيداً عن التعقيدات.
1. خوارزمية تعرفك أكثر مما تعرف نفسك
فيسبوك يقوم على فكرة قديمة وهي: "أنت تشاهد ما ينشره أصدقاؤك والصفحات التي اخترت متابعتها". هذا ما يسمى بالشبكة الاجتماعية.
تيك توك ألغى هذه القاعدة تماماً واعتمد على "شبكة الاهتمامات". التطبيق لا يهتم إطلاقاً بمن هم أصدقاؤك؛ هو يراقب طريقة تفاعلك فقط: كم ثانية توقفت عند هذا الفيديو؟ هل أعدت مشاهدته؟ هل فتحت التعليقات؟ بناءً على هذه التفاصيل الصغيرة، يبدأ بتغذيتك بمحتوى يفصل خصيصاً على مقاس مزاجك في تلك اللحظة.
2. معركة وقت الشاشة (Screen Time)
الأرقام هنا تصدم الكثيرين. وفقاً لإحصائيات مؤسسة DataReportal المعتمدة، يُمضي المستخدم المتوسط على تيك توك ما يزيد عن 34 ساعة شهرياً، مقارنة بنحو 19 إلى 20 ساعة فقط على فيسبوك. هذا يعني أن تيك توك يلتهم الترفيه والوقت اليومي بشراسة، بينما باتت زيارة فيسبوك مجرد عادة سريعة لتفقد الرسائل أو الإشعارات ثم الخروج.
3. فرصة الظهور للجميع (ديمقراطية المحتوى)
على فيسبوك، إذا كتبت منشوراً رائعاً أو صورت فيديو مميزاً، فلن يراه أحد تقريباً إلا إذا دفع للشركة أموالاً مقابل الإعلانات، أو كانت لديك صفحة بها ملايين المتابعين. على تيك توك، الأمر مختلف تماماً: يمكنك أن تفتح حساباً جديداً اليوم، وتنشر مقطعاً بسيطاً من داخل غرفة نومك، وتصحو في الصباح لتجده حقق مليون مشاهدة. هذا الأمل الشديد بالانتشار أسال لُعاب صناع المحتوى والشباب، فتركوا فيسبوك وتوجهوا فوراً إلى المكان الذي يقدر جهدهم.
إقرأ أيضاً: كيفية استرجاع حساب فيسبوك
أسباب هرب الجيل الجديد من "بيت العائلة"
لم يقتصر الأمر على إعجاب الناس بتيك توك، بل إن فيسبوك نفسه بات يطرد مستخدميه الأصغر سناً دون أن يقصد.
- ظاهرة "الأقارب في كل مكان": قبل سنوات، كان الشاب ينشر ما يشاء على حسابه. اليوم، أصبح العمام والأخوال والأمهات يملكون حسابات على فيسبوك، ويتركون تعليقات على كل صورة وموقّع. هذا جعل المنصة تشبه "صالة الضيوف في العائلة"، مما دفع الشباب بالتبعية إلى الهروب نحو تطبيق لا يراقبهم فيه أحد مثل تيك توك.
- التشبع بالإعلانات المنبثقة: تحول فيسبوك إلى دكان تجاري كبير؛ فبين كل منشورين تجد إعلاناً لمصنع أو متجر، ومقطعاً مقترحاً لصفحة لا تهمك. تشتت الانتباه هذا جعل التجربة برمتها مجهدة للعين والنفس.
- التركيز على النمط القديم: يفضل أبناء الجيل الحالي (الشباب دون سن الـ 25) الاستهلاك السريع عبر الفيديو الطولي الواضح، بينما يصر فيسبوك على وضع النصوص الطويلة والروابط المبتورة والمجموعات في الواجهة.
لماذا يظل فيسبوك متمسكاً بالعرش ويرفض السقوط؟
قد يظن من يقرأ هذا التحليل أن فيسبوك على وشك الإفلاس أو الإغلاق، لكن الواقع يخبرنا بعكس ذلك تماماً. تظهر التقارير المالية لشركة "ميتا" أن المنصة لا تزال تجني عشرات المليارات سنوياً، ولا يزال لديها أكثر من 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، وهي أرقام يستحيل معها الحديث عن انهيار قريب.
اطلع على: إنشاء حساب فيسبوك ثاني على نفس الرقم
فما هي الأوراق التي يمتلكها فيسبوك ولا يستطيع تيك توك مساسها؟
1. المجموعات (Facebook Groups)
هذه هي الورقة الرابحة الحقيقية. تيك توك رائع في الترفيه ومشاهدة الفيديو، لكنه فاشل في بناء مجتمع. إذا كنت تريد الاستفسار عن صيانة سيارتك، أو البحث عن شقة للإيجار في حيك، أو النقاش مع هواة تربية الطيور، فلن تجد مكاناً في العالم أفضل من مجموعات فيسبوك. هناك روابط إنسانية حقيقية وتبادل خبرات لا يقدر تيك توك على تقديمها.
2. البنية التحتية للتجار والشركات
الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تزال تعتبر فيسبوك شريان الحياة. المنصة توفر متجراً كاملاً، مع إمكانية التواصل المباشر مع الزبائن، ونظام إعلانات محلي شديد الدقة يتيح لك استهداف سكان شارع معين في مدينتك. أما إعلانات تيك توك، ورغم تطورها، إلا أنها ما زالت تعتمد على المدى الواسع وتناسب أكثر العلامات التجارية الكبيرة والمنتجات الاستهلاكية السريعة.
3. القوة الشرائية عند "الكبار"
الشباب صغار السن يملكون الوقت لكنهم لا يملكون المال الكثير. على الجانب الآخر، فإن الفئة العمرية بين 30 و 65 سنة، والتي تتمركز بكثافة على فيسبوك، هي الفئة التي تملك الميزانيات، وتشتري السيارات، وتدفع أقساط المدارس، وتتسوق عبر الإنترنت. الشركات والمستثمرون يعرفون هذه الحقيقة جيداً، ولهذا السبب لم تتوقف أموال الإعلانات عن التدفق نحو فيسبوك.
خلاصة المشهد: أين تتجه الكفة؟
نحن لا نشهد وفاة لفيسبوك، بل نشهد تحديداً جديداً لأدوار التطبيقات.
تيك توك استقر في مكانة "تلفزيون الجيب الحديث"؛ تفتحه حين تكون متعباً، في الحافلة، أو قبل النوم لتضحك وتتسلى وتشاهد مقاطع سريعة تنسيك عناء اليوم.
أما فيسبوك، فقد تحول من منصة للشباب والمرح إلى ما يشبه "الميدان العام للمدينة"؛ نعود إليه لقراءة الأخبار المحلية، ومتابعة المجموعات المتخصصة، والبيع والشراء، والتواصل مع أصدقاء الدراسة القدامى الذين نخشى ضياع أرقامهم.
في النهاية، المعركة لم تعد تدور حول "من يقضي على الآخر"، بل حول من يستطيع الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من أوقاتنا وانتباهنا وسط هذا العالم المزدحم المليء بالشتات.

