بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب: بعد أكثر من ثلاثين عامًا... أيقنت أن الأخلاق هي رأس المال الحقيقي

المستشار محمد سليم
-

على مدار أكثر من ثلاثين عامًا من العمل العام والمهني، تنقلت بين ساحات وتجارب صنعت رؤيتي للحياة قبل أن تصنع خبرتي في العمل. فمن عملي في النيابة العامة والمحاماة، إلى عضويتي بمجلس النواب لسنوات طويلة، وما أتاحه ذلك من معايشة دقيقة للتشريع وصناعة القرار، مرورًا بالتردد على ساحات المحاكم، حيث رأيت كيف يمكن لكلمة حق أن تنقذ إنسانًا، وكيف يمكن لكلمة باطل أن تهدم أسرة أو تضيع حقًا، ثم عضويتي بالمحكمة العربية لفض المنازعات بين الدول العربية، وما صاحبها من اطلاع على تجارب قانونية وإنسانية مختلفة، إضافة إلى سفري إلى العديد من الدول ولقائي بالجاليات المصرية في الخارج، والاستماع إلى تجاربهم وقصص نجاحهم وتحدياتهم... خرجت بقناعة أصبحت بالنسبة لي يقينًا لا يتغير.

لقد أيقنت أن أعظم أزمة تواجه الإنسان، سواء في عالم الأعمال أو السياسة أو القضاء أو الإدارة أو حتى في حياته اليومية، ليست نقص المال، ولا ضعف الإمكانات، ولا تغير الظروف الاقتصادية، وإنما غياب الأخلاق وانهيار منظومة القيم. فالمجتمعات لا تُبنى بالأموال وحدها، وإنما تُبنى بالضمائر الحية، والدول لا تقوى بكثرة القوانين فقط، وإنما بقوة الالتزام بها، والشركات لا تستمر بسبب الأرباح وحدها، وإنما لأنها تؤسس علاقتها مع عملائها وشركائها على الثقة والصدق.

ورغم أنني رأيت شركات كبرى ومؤسسات عملاقة تمتلك المال والخبرة والأسواق والعملاء، فإن بعضها سقط عندما سقطت الثقة، ورأيت شراكات انتهت لأن الأمانة غابت، وقضايا كان يمكن أن تُحسم بالعدل، لكنها تعقدت عندما غلبت المصالح الشخصية على الضمير. وأدركت أن كثيرًا من الأزمات التي تبدو اقتصادية أو إدارية أو قانونية، يكون أصلها في الحقيقة أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة أرقام.

لقد علمتني الحياة أن القوانين، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تصنع إنسانًا شريفًا، وأن العقود، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تحمي من قرر أن يخون، وأن اللوائح قد تنظم العمل، لكنها لا تزرع الأمانة في النفوس. فالضمير هو الحارس الحقيقي لكل علاقة، وهو السور الذي يحمي المجتمعات قبل أن تحميها النصوص.

وكان الإمام الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي يؤكد في دروسه أن مراقبة الله هي أعظم صور الرقابة، وأن الإنسان قد ينجح في إخفاء أفعاله عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيها عن خالقه، فإذا استقرت هذه الحقيقة في القلوب، استقامت المعاملات، وحُفظت الحقوق، وسادت الطمأنينة بين الناس.

كما أن المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود كان يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يحمله من مبادئ، وأن الضمير هو القاضي الذي لا يغفو، والمحكمة التي لا تغلق أبوابها، ولذلك فإن بناء الإنسان أخلاقيًا هو الأساس الذي تُبنى عليه كل نهضة حقيقية.

ولذلك أقول لكل رائد أعمال، ولكل مستثمر، ولكل مسؤول، ولكل شاب يبدأ طريقه في الحياة: لا تجعل أول سؤال تطرحه هو كم يملك هذا الرجل، بل اسأل أولًا: كيف هي أخلاقه؟ وهل يحفظ العهد؟ وهل يصدق إذا وعد؟ وهل يخاف الله إذا غاب الرقيب؟

اختر شريكك بأخلاقه قبل خبرته، وبأمانته قبل رأس ماله، وبمخافة الله قبل ذكائه، لأن الخبرة تُكتسب، والثروة تُجمع، أما الأخلاق فلا تُشترى، والثقة إذا انكسرت لا تعود كما كانت.

لقد رأيت من ربح صفقة بالخداع، لكنه خسر تاريخه، ورأيت من جمع ثروة بالخيانة، لكنه فقد احترام الناس، ورأيت من ظن أن النفوذ يحميه، فإذا بالأيام تكشف الحقيقة، وتعيد لكل ذي حق حقه. فالتاريخ لا يذكر أصحاب الأموال بقدر ما يذكر أصحاب المبادئ، ولا يخلد أصحاب المناصب بقدر ما يخلد أصحاب المواقف.

ومن خلال رحلتي الطويلة، ازددت يقينًا بأن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان ليس في العقارات، ولا في الأسهم، ولا في الذهب، وإنما في سمعته الطيبة، لأن السمعة إذا ارتفعت فتحت لصاحبها أبوابًا لا تستطيع الأموال أن تفتحها، وإذا سقطت فلن تعيدها كنوز الأرض كلها.

إن ما نتركه خلفنا ليس رصيدًا في بنك، ولا شركة تحمل اسمنا، ولا منصبًا يزول بزوال الزمن، وإنما سيرة عطرة، وكلمة صادقة، وموقف شريف، وذكرى طيبة في قلوب الناس. فهذه هي الثروة التي لا تتأثر بتقلبات الأسواق، ولا تنخفض قيمتها بمرور الأيام.

ويظل قول الله تعالى هو الميزان الذي لا يختل:

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.

وفي النهاية، أؤمن أن الإنسان لا يُقاس بما جمع من أموال، ولا بما شغل من مناصب، ولا بما وقع من عقود، وإنما بما تركه من أثر طيب في قلوب الناس، وما قدمه من قيم ومبادئ، وما حافظ عليه من شرف مهني ونزاهة وإنسانية. فالمال قد يصنع رجل أعمال، والمنصب قد يصنع مسؤولًا، لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع إنسانًا يستحق الاحترام في حياته، والدعاء له بعد رحيله.