الكاتب الصحفي محمد طرابيه يكتب : مولد سيدي المونديال.. كفانا احتفالات !!

انتهى المونديال وانتهت معه أيام السهر والتشجيع والفرح الذي جمع المصريين على قلب رجل واحد.
قدم لاعبونا أداء رجوليا وأسعدونا بلحظات لا تُنسى وحققوا نتائج مشرفة رفعت اسم مصر عالياً.
وكان من حقهم أن ينالوا التكريم وأن يحصلوا على الملايين التي مُنحت لهم مقابل ما بذلوه من جهد وعرق.
لقد احتفلنا بما يكفي فى الشوارع وعلى شاشات التلفزيون وفي كل بيت مصري.
ولكن الاحتفال إذا طال تحول من فرحة إلى ضجيج ومن فخر إلى وهم.
وأخشى أن ينطبق علينا القول القديم: "الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده".
فكفانا احتفالات إلى هذا الحد.
لقد تعودنا أن نعيش على ذكرى المجد بدلاً من صناعته.
نفرح بفوز ونبكي على هزيمة ثم نعود إلى نقطة الصفر.
والكرة لا تبنى بالحماس وحده ولا بالتصفيق ولا بالخطب الرنانة.
الكرة تبنى بالعمل وبالتخطيط وبمشروع طويل المدى يبدأ اليوم ولا ينتظر الغد.
إن الأهم الآن أن نلتفت إلى ما بعد المونديال.
الأهم أن نسأل: ماذا بعد؟
وكيف نحول هذه اللحظة إلى بداية حقيقية لنهضة كروية مصرية؟
والإجابة واضحة ولا تحتاج إلى اجتهاد.
الإجابة في تأسيس مدارس وأكاديميات حقيقية للموهوبين.
نحتاج إلى مدارس كرة قدم منتشرة في كل محافظة وقرية.
مدارس لا تبحث عن أبناء الأغنياء فقط بل تبحث عن الموهبة أينما كانت.
مدارس يتوفر فيها مدربون مؤهلون وأدوات حديثة وملاعب صالحة ورعاية طبية وتعليمية.
مدارس يكون هدفها الأول اكتشاف الطفل الذي يلعب في الشارع بحذاء مقطوع وصقل موهبته حتى يصبح نجماً يمثل مصر.
إن الدول التي سبقتنا لم تصل إلى العالمية بالصدفة.
لقد أنشأت بنية تحتية واستثمرت في الناشئين ووضعت خططاً لعشرين عاماً قادمة.
أما نحن فما زلنا نعتمد على الصدفة وعلى اللاعب الذي يظهر مرة كل جيل.
وهذا لا يكفي لتحقيق طموح شعب كامل يعشق كرة القدم.
إن إنشاء أكاديميات للموهوبين هو الاستثمار الحقيقي.
هو الذي سيخلق لنا جيلاً جديداً من نجوم المنتخب.
جيل لا يلعب من أجل المال فقط بل يلعب من أجل القميص ومن أجل التاريخ ومن أجل رفع اسم مصر.
جيل يتدرب منذ الصغر على الانضباط وعلى العمل الجماعي وعلى تحمل المسؤولية.
جيل إذا دخل المونديال القادم دخل وهو يعلم أنه يستطيع المنافسة لا أن يشارك فقط.
لقد أثبت المونديال الأخير أننا نملك الإمكانيات.
أثبت أن اللاعب المصرى إذا وجد الإدارة السليمة والدعم الحقيقى قادر على تحقيق نتائج مشرفة.
ولكن هذا لا يحدث كل أربع سنوات.
يجب أن يحدث كل عام في كل مباراة و في كل بطولة.
وهذا لن يتم إلا إذا بدأنا من القاعدة من المدرسة ومن الأكاديمية.
إن المال الذي أنفق في الاحتفالات، والوقت الذي ضاع في التصريحات، يمكن أن يوجه إلى بناء ملعب في قرية أو إلى تعيين مدرب في مركز شباب أو إلى منحة لطفل موهوب.
هذه هي الاحتفالات الحقيقية التي ستستمر لسنوات.
احتفال بأننا صنعنا لاعباً جديداً وبأننا وضعنا حجراً في طريق المستقبل.
كفانا عيشاً على اللحظة وكفانا انتظاراً للمعجزة.
المعجزة تصنع ولا تأتي وحدها.
والنجاح لا يهبط من السماء بل يبنى على الأرض، في الملاعب وفي الصالات وفي قلوب الأطفال الصغار الذين يحلمون بأن يصبحوا مثل أبطالهم.
فلنغلق صفحة الاحتفالات ولنفتح صفحة العمل.
ولنجعل من فرحة المونديال دافعاً لا مخدراً.
ولنبدأ الآن في تأسيس مدارس وأكاديميات للموهوبين.
عندها فقط يمكننا أن نحلم بمونديال قادم نحقق فيه ما هو أكبر من المشاركة المشرفة.
عندها فقط يمكننا أن نحلم بالكأس.

