الكاتب الصحفى مجدي سبلة يكتب : كيف ينجح المحافظ في جذب المجتمع المدني

الذي دعاني إلى كتابة هذا المقال هو ما ألاحظه في محافظتي دمياط من حالة التباعد أو ضعف التواصل بين المحافظة وأجهزتها التنفيذية من جهة، وبين المجتمع المدني المتنوع الموجود في الأحزاب والجمعيات الأهلية ورجال الأعمال والقيادات الطبيعية من جهة أخرى.في ظل غياب المجالس المحلية المنتخبة، كان من الطبيعي أن يزداد التقارب والتواصل الدوري بين المحافظ وجهازه المعاون وبين مؤسسات المجتمع المدني، وأن تصبح هذه اللقاءات جزءًا أصيلًا من آليات العمل، لا مجرد مناسبات عابرة، لأن هذا التقارب يفتح قنوات شرعية للتواصل، ويسهم في صناعة حالة من الرضا الشعبي والثقة المتبادلة بين المواطنين وقيادات الحكومة في الإقليم.
كما أن هذا التقارب قادر على صناعة المعجزات وتوفير الكثير من الأعباء والميزانيات، والأمثلة في دمياط كثيرة ومتعددة، سواء في الوقوف إلى جانب الدولة أو في دعم الغلابة والمرضى وكبار السن.
ولعل من أبرز هذه النماذج ما قام به أبناء كفر سعد البلد الشرفاء عندما قرروا ألا يكلفوا الدولة مليمًا واحدًا لإنشاء مبنى فرع للتأمين الصحي يخدم أهالي المركز ويخفف عن المرضى مشقة الانتقال إلى أماكن أخرى لتلقي الخدمة.
كما يدعونا إلى التفاؤل ما قام به النائب فتح الله رخا حين تبرع مؤخرًا بقطعة أرض لإقامة مجمع مدارس وإدارة تعليمية في بلدته كفر البطيخ، في نموذج يؤكد أن أبناء دمياط لا يترددون في دعم مجتمعهم متى وجدوا الفكرة الجيدة والتنظيم المناسب.
ولا يمكن الحديث عن نماذج المشاركة المجتمعية في دمياط دون الإشارة إلى ما قدمه النائب السيد الغيطاني من مساهمات داخل مستشفى كفر سعد المركزي، سواء من خلال دعم وإنشاء وحدات للرعاية والحضانات الخاصة بالأطفال، بما يسهم في تخفيف المعاناة عن الأسر ويوفر خدمات طبية يحتاجها أبناء المركز والقرى المجاورة. كما يُحسب له التبرع ببناء أول دار أيتام مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، في خطوة تحمل بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا مهمًا، وتعكس كيف يمكن للمبادرات المجتمعية أن تسد جزءًا من الاحتياجات الملحة للمواطنين، وتؤكد أن التعاون بين الدولة والمجتمع المدني والقيادات الشعبية قادر على تحقيق الكثير من الإنجازات التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
ومن هنا ذهب بي الخيال إلى أن يفاجئنا الدكتور حسام فوزي، محافظ دمياط، بإطلاق مبادرات مماثلة في مختلف القرى والمدن، بحيث يتم تحديد احتياجات كل منطقة بدقة، سواء كانت في قطاع الصحة أو التعليم أو الطرق أو الخدمات العامة، ثم فتح الباب أمام المساهمات المجتمعية للمشاركة في تنفيذها.
فالدولة تمر بظروف اقتصادية دقيقة وتواجه تحديات كبيرة، والمواطن في الوقت ذاته يحتاج إلى خدمات لا تحتمل الانتظار الطويل حتى تأتي الخطط الاستثمارية أو الاعتمادات المالية من هنا أو هناك.
وهنا تتحقق أكثر من فائدة في وقت واحد؛ دعم جهود الدولة، وتلبية احتياجات المواطنين، وتعزيز جسور الثقة بين السلطة التنفيذية والمجتمع المدني، والقضاء على أي حالة من الجفاء أو البعد التي قد تنشأ أحيانًا بسبب غياب التواصل أو ضعف الحوار.
إن هذه المبادرات تحتاج إلى محافظ يعمل بعقلية "أولاد البلد"، يمتلك القدرة على إقناع القيادات الطبيعية ورجال الأعمال والشركات والموانئ والأحزاب بالمشاركة في خدمة المجتمع، ويستطيع جمع الجميع حول هدف واحد هو مصلحة المواطن الدمياطي.
كما أن التنمية المستدامة لا ينبغي أن تعتمد على جهود الأفراد وحدهم، بل تحتاج إلى آليات مؤسسية دائمة للحوار والشراكة، مثل عقد لقاءات دورية مع ممثلي المجتمع المدني، أو إنشاء مجلس استشاري يضم رجال الأعمال والقيادات المجتمعية، أو إعداد خريطة واضحة لأولويات واحتياجات القرى والمدن لتوجيه المساهمات المجتمعية إليها بصورة أكثر كفاءة وعدالة.
إن دمياط مليئة برجال الخير الذين يعشقون العمل العام والمساهمات الخيرية، ولديهم استعداد دائم للمشاركة في خدمة أبناء المحافظة وتعويض أي عجز في بعض المشروعات والخدمات.
ويبقى دور المحافظة هنا هو الإشراف والتنظيم والتنسيق، وتحويل هذه الطاقات الكامنة إلى مشروعات حقيقية يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية.
فالمحافظ الناجح ليس فقط من يدير ما هو متاح من موارد، بل من يمتلك القدرة على استنهاض طاقات المجتمع وتوجيهها نحو خدمة المواطنين. وحين تلتقي إرادة الدولة مع طاقات المجتمع، تتحول التنمية من حلم مؤجل إلى واقع يلمسه الناس.
ولهذا أقول: إن المحافظ الذكي حقًا هو الذي ينجح في جذب المجتمع المدني، لا إلى قاعات الاجتماعات فقط، وإنما إلى ميادين العمل والبناء والتنمية.

