الدراما والسينما الوطنية بعد ثورة 30 يونيو.. توثيق للبطولات وتجسيد لملحمة مواجهة الإرهاب

شهدت الدراما والسينما المصرية، عقب ثورة 30 يونيو 2013، حراكا كبيرا في إنتاج الأعمال الوطنية، إذ لم تعد تقتصر على استحضار بطولات الحروب التاريخية، بل اتجهت إلى توثيق الأحداث المعاصرة، وإبراز تضحيات رجال القوات المسلحة والشرطة، وكشف كواليس الحرب على الإرهاب.
واعتمدت هذه الأعمال على ميزانيات إنتاجية ضخمة، بتقنيات تصوير متطورة، مع الاستناد إلى وقائع حقيقية وملفات موثقة من الأجهزة الأمنية، ما منحها قدراً كبيراً من الواقعية والمصداقية.
مسلسل هجمة مرتدة
أبرز المسلسلات الوطنية
حققت الدراما الوطنية نجاحاً جماهيرياً واسعاً، وأصبحت من أبرز الأعمال التي ينتظرها المشاهدون خلال الموسم الرمضاني. ويأتي في مقدمتها مسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاثة، الذي أخرجه بيتر ميمي ليصبح علامة فارقة في تاريخ الدراما الوطنية الحديثة.
حيث تناول الجزء الأول منه، الذي عُرض عام 2020 وقام ببطولته أمير كرارة وأحمد العوضي، السيرة البطولية للشهيد العقيد أحمد منسي وأحداث ملحمة البرث. بينما ركز الجزء الثاني عام 2021، من بطولة كريم عبد العزيز وأحمد مكي، على بطولات رجال الشرطة في مواجهة التنظيمات الإرهابية داخل المدن. أما الجزء الثالث الذي عُرض عام 2022، فقد ضم نخبة من النجوم كأحمد السقا، وكريم عبد العزيز، وأحمد عز، وياسر جلال، ووثّق كواليس الأحداث التي شهدتها مصر عام 2013 والقرارات المصيرية التي ساهمت في الحفاظ على استقرار الدولة.
كما برز على الساحة الدرامية خلال السنوات الماضية، مسلسلا "هجمة مرتدة" من بطولة أحمد عز وهند صبري وإخراج أحمد علاء الديب، و"العائدون" من بطولة أمير كرارة وأمينة خليل وإخراج أحمد نادر جلال.
وقد استند العملان إلى ملفات من المخابرات العامة المصرية، حيث قدما صورة لصراع الأجهزة الاستخباراتية مع التنظيمات الإرهابية، وكشفا أساليب مواجهة مخططات تقسيم المنطقة، واختراق تنظيم "داعش" الإرهابي وتفكيك شبكاته.
وفي عام 2023، جاء مسلسل "الكتيبة 101" من بطولة آسر ياسين وعمرو يوسف، وإخراج محمد سلامة، ليسلط الضوء على بطولات رجال القوات المسلحة في شمال سيناء، مستعرضاً عدداً من العمليات العسكرية الحقيقية التي خاضها أبطال الكتيبة في مواجهة التنظيمات التكفيرية.
فيلم السرب
السينما الوطنية تستعيد بريقها
شهدت السينما المصرية بدورها انتعاشة ملحوظة من خلال مجموعة من الأفلام الوطنية التي حظيت بإقبال جماهيري كبير. وكان فيلم "الممر" الذي عُرض عام 2019 للمخرج شريف عرفة وبطولة أحمد عز وإياد نصار وأحمد رزق، نقطة تحول مهمة في هذا الاتجاه، حيث تناول بطولات قوات الصاعقة المصرية خلال حرب الاستنزاف، مستعرضاً جهود القوات المسلحة في استعادة الثقة والروح القتالية بعد نكسة يونيو 1967، عبر تنفيذ عمليات نوعية خلف خطوط العدو.
وفي عام 2024، قدم فيلم "السرب" للمخرج أحمد نادر جلال وبطولة أحمد السقا وشريف منير ودياب ومحمد ممدوح، معالجة سينمائية لإحدى أبرز العمليات العسكرية الحديثة، وهي الضربة الجوية التي نفذها سلاح الجو المصري ضد معاقل تنظيم "داعش" الإرهابي في مدينة درنة الليبية، رداً على جريمة ذبح عدد من المواطنين المصريين، مسلطاً الضوء على سرعة الاستجابة والتنسيق الاستخباراتي الذي سبق تنفيذ العملية.
مسلسل العائدون
سمات الدراما الوطنية بعد عام 2014
اتسمت الأعمال الوطنية التي أُنتجت بعد عام 2014 بعدد من الخصائص التي ميزتها عن أعمال العقود السابقة، وفي مقدمتها المزج بين الدراما والتوثيق، من خلال الاستعانة بمقاطع فيديو وتسجيلات صوتية حقيقية، إلى جانب خطابات رسمية ووثائق أصلية، وهو ما عزز مصداقية الأحداث، خاصة في أعمال مثل "الاختيار" و"السرب". ، إذ جرى تصوير عدد كبير من المشاهد في مواقعها الحقيقية، مع استخدام معدات وأسلحة عسكرية فعلية ، بما يضمن تقديم صورة دقيقة للعمليات العسكرية. ولم تغفل هذه الأعمال الجانب الإنساني، حيث حرصت على تقديم الأبطال باعتبارهم أشخاصاً لهم أسر وحياة ومشاعر، وليسوا مجرد رموز للبطولة، الأمر الذي عزز ارتباط الجمهور بهم، وجعل قصصهم أكثر تأثيراً وصدقاً.
أسهمت الدراما والسينما الوطنية في السنوات الأخيرة في تقديم صورة توثيقية للأحداث التي مرت بها مصر، وربطت بين الفن والواقع من خلال أعمال تناولت بطولات رجال القوات المسلحة والشرطة، وأبرزت حجم التضحيات التي بُذلت للحفاظ على أمن الوطن واستقراره. وبفضل الإمكانات الإنتاجية الكبيرة والاعتماد على وقائع حقيقية، استطاعت هذه الأعمال أن تحقق حضوراً جماهيرياً واسعاً، وأن ترسخ مكانتها كأحد أبرز ملامح الإنتاج الدرامي والسينمائي المصري في العصر الحديث.

