بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى محمد طرابية يكتب : الموت على أبواب المستشفيات

الكاتب الصحفي محمد طرابيه
محمدر طرابيه -

في بلدٍ تتسابق فيه التصريحات مع المؤتمرات، ويُفتح فيه باب الأمل في كل اتجاه، يظل باب المستشفى هو الوحيد الذي يُغلق في وجه من يطلب الحياة بكل هدوء إداري شديد الاحترام.

طلب الإحاطة الذي أثاره النائب محمد عبد العليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد لم يكشف مفاجأة بقدر ما أعاد بثّ حلقة قديمة من مسلسل معروف عنوانه “مفيش سرير، استنّوا لما حد يقوم ، مع أن المفارقة أن “القيام” هنا غالبًا لا يحدث.

يدخل المريض الطوارئ محمولًا بين الحياة والموت، فتستقبله جملة واحدة محفوظة أكثر من النشيد الوطني:
“مفيش أماكن”.
جملة بسيطة في لفظها، لكنها كفيلة بتحويل الألم إلى طابور، والطابور إلى قدر، والقدر إلى شهادة وفاة مؤجلة التوقيع.

وفي الخلف، داخل نفس المستشفى، قد تجد أسرّة فارغة فعلاً لكنها في إجازة رسمية، أو محجوزة “احتياطيًا” لحالات لم تأتِ بعد، أو ربما تنتظر اعتمادًا إداريًا يشعر أن الحياة تحتاج ختمًا قبل أن تُنقذ.

وعن الدستور الذي يتحدث عن الحق في الصحة، فهو حاضر دائمًا في الخطابات يغيب فقط عند باب الاستقبال، حيث تُدار الأمور بمنطق آخر أكثر واقعية ،هات واسطة أو استنى المعجزة.

والمشهد لا يختلف كثيرًا بين مدينة وأخرى؛ من الإسكندرية إلى أسوان، نفس المسرحية تُعرض كل ليلة، بنفس الجملة، بنفس الصراخ، وبنفس النهاية التي لا تتغير سوى في أسماء الضحايا.

القطاع الخاص موجود طبعًا، لكنه يشبه إعلانًا جميلًا خلف زجاج مقفول تراه ولا تلمسه، إلا إذا كانت الجيوب في الحالة الصحية المناسبة، أما الحالات الطارئة فمكانها الطبيعي هو “قائمة الانتظار”، ذلك الاختراع العبقري الذي جعل من التأخير نظامًا طبيًا معتمدًا.

المفارقة الساخرة أن لدينا قدرة على افتتاح مشروعات بمليارات، وإطلاق مبادرات بأسماء لامعة، لكن سرير عناية مركزة يتحول إلى أزمة وطنية تحتاج “خطة عاجلة” تستغرق عادة وقتًا أطول من عمر المريض نفسه.

المشكلة ليست نقص إمكانيات فقط، بل وفرة أعذار بشكل يفوق وفرة الأسرّة. كل شيء جاهز التقارير، البيانات، الإحصائيات فقط المريض هو الذي لا يجد مكانًا في هذه المنظومة المنظمة جدًا.
الأكثر قسوة أن الموت هنا لا يأتي فجأة، بل يأتي “بالإجراءات” ، يمر أولًا على الاستقبال، ثم التحويل، ثم البحث عن سرير، ثم انتظار موافقة حتى يصبح الموت نفسه أكثر نظامًا من الحياة.

وإذا حاولت أن تسأل سؤالًا بسيطًا: لماذا يموت مريض على الباب؟ تأتيك الإجابة جاهزة “نعمل على تطوير المنظومة” جملة تصلح لكل شيء، من انهيار خدمة إلى انهيار إنسان.
ثم يظل السؤال الأخير، الذي لا يحتاج تقريرًا ولا لجنة ، لو كان هذا المريض ابن مسؤول، هل كان سيقف في نفس الطابور؟ أم كان الطابور نفسه سيتحرك احترامًا للصفة؟
في النهاية، نحن لا نطلب معجزة نحن فقط نطلب أن يتحول “السرير الفارغ في التقارير” إلى سرير حقيقي في الواقع، قبل أن يصبح كل بيت في مصر نسخة مصغرة من غرفة انتظار بلا نهاية.