رسوب طلاب النقل في الدين .. ناقوس خطر يحتاج وقفة مجتمعية تربوية حاسمة

شهدت نتائج سنوات النقل هذا العام ظاهرة أثارت جدلاً واسعاً بين أولياء الأمور والمعلمين، تمثلت في ارتفاع معدلات الرسوب في مادة التربية الدينية عقب تطبيق نسبة النجاح الجديدة التي حُددت بـ70%، الأمر الذي فتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول أسباب هذه الظاهرة ومن يتحمل مسؤوليتها وكيف يمكن التعامل معها مستقبلاً.
في الحقيقة فإن قرار رفع نسبة النجاح لم يكن سبباً مباشراً في ظهور المشكلة بقدر ما كان كاشفاً لحجمها الحقيقي. فقد اعتاد الكثير من الطلاب على التعامل مع مادة التربية الدينية باعتبارها مادة ثانوية لا تحتاج إلى جهد أو اهتمام كبير، كما أن بعض الأسر لم تكن تضعها ضمن أولويات المتابعة الدراسية لأبنائها، وهو ما أدى إلى تراكم فجوة حقيقية بين أهداف المادة ومستوى التحصيل الفعلي للطلاب.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن أن يرسب طالب في مادة تهدف بالأساس إلى بناء القيم والأخلاق وترسيخ المبادئ الإنسانية والدينية؟ وهل المشكلة في الطالب وحده أم أن هناك مسؤولية مشتركة بين جميع أطراف العملية التعليمية؟
إن المسؤولية هنا لا تقع على طرف واحد. فالأسرة مطالبة بمتابعة أبنائها وغرس أهمية الالتزام والتعلم لديهم منذ الصغر، والمدرسة مطالبة بتطوير أساليب تدريس التربية الدينية لتصبح أكثر جذباً وتأثيراً وارتباطاً بواقع الطلاب وحياتهم اليومية، كما أن الطالب نفسه مطالب بإدراك أن التربية الدينية ليست مادة للنجاح والرسوب فقط، بل هي أساس لبناء الشخصية السوية والمواطنة الصالحة.
لقد أثبتت التجربة أن التركيز على الحفظ دون الفهم لا يصنع تعليماً حقيقياً، وأن التعامل مع المواد التربوية بمنطق الهامشية يؤدي في النهاية إلى نتائج سلبية تنعكس على المجتمع بأكمله. ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب إعادة النظر في آليات تدريس التربية الدينية وتطوير محتواها وأساليب تقييمها مع تكثيف برامج التوعية للطلاب وأولياء الأمور بأهمية هذه المادة ودورها في تشكيل الوعي والقيم.
إن ارتفاع نسب الرسوب في التربية الدينية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد أرقام في كشوف النتائج، بل باعتباره رسالة مهمة تدعونا جميعاً إلى مراجعة أولوياتنا التعليمية والتربوية. فالأمم لا تُبنى بالمعرفة وحدها، وإنما تُبنى بالعلم والقيم والأخلاق معاً.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام الجميع: هل سيكون ما حدث مجرد أزمة عابرة تنتهي مع إعلان النتائج، أم بداية حقيقية لإعادة الاعتبار للتربية الدينية داخل مدارسنا بما يحقق رسالتها السامية في بناء أجيال واعية ومتمسكة بقيمها وهويتها؟

