بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفي محمد طرابية يكتب: 21 مليار جنيه خارج الموازنة.. أموال عامة بلا رقابة أم حساب؟

الكاتب الصحفي محمد طرابية
-

لا يمكن اعتبار ما كشفه التقرير الأخير للجهاز المركزي للمحاسبات مجرد ملاحظات مالية عابرة أو مخالفات إدارية معتادة، فالأرقام التي تضمنها التقرير تفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول مصير مليارات الجنيهات التي تتحرك بعيدًا عن الموازنة العامة للدولة، وحول مدى فاعلية الرقابة على الصناديق والحسابات الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص التي أصبحت تمثل أحد الملفات الشائكة في الإدارة المالية للدولة.

التقرير الرسمي كشف أن إجمالي المصروفات المنصرفة من الصناديق والحسابات الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص بلغ 21 مليارًا و293 مليون جنيه، بما يمثل نحو 7.5% من إجمالي مصروفات الإدارة المحلية. وقد يبدو الرقم للوهلة الأولى مجرد بند مالي في تقرير رقابي، لكنه في الحقيقة يعكس حجم أموال ضخمة يتم تداولها وإنفاقها خارج الموازنة العامة للدولة، بما يطرح تساؤلات مشروعة حول آليات الإنفاق والرقابة والمتابعة.

الأخطر من ذلك أن التقرير لم يتوقف عند حجم الأموال المنصرفة، بل كشف عن مخالفات مالية مباشرة بلغت آثارها 3 مليارات و432 مليون جنيه، نتيجة عدم تحصيل مستحقات الدولة، والصرف على غير الأغراض المخصصة، واستمرار تعليق مبالغ ضخمة تحت بند «تحت التسوية» لسنوات طويلة دون حسم أو تسوية أو مساءلة واضحة.

واللافت للنظر أن التقرير كرر في أكثر من موضع عبارة «طلب الجهاز اتخاذ الإجراءات اللازمة»، وهي العبارة التي تتكرر عامًا بعد عام في العديد من التقارير الرقابية، بينما تظل الأسئلة معلقة حول مدى استجابة الجهات المختصة لهذه الملاحظات، وما إذا كانت هناك إجراءات فعلية تم اتخاذها لاسترداد حقوق الدولة ومحاسبة المتسببين في إهدارها.

ويأتي حساب تمويل مشروعات الإسكان في مقدمة الملفات التي أثارت قلق الجهاز المركزي للمحاسبات، بعدما بلغت قيمة المبالغ غير المحصلة فيه مليارًا و496 مليون جنيه. وتنوعت هذه المستحقات بين إيجارات وأقساط تمليك ومبالغ ناتجة عن بيع أراضٍ بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية.

لكن المفارقة الأكثر إيلامًا أن التقرير كشف عن وجود 199 وحدة سكنية مكتملة وجاهزة للتسليم بتكلفة بلغت 36 مليونًا و875 ألف جنيه، ورغم ذلك ظلت مغلقة لأكثر من عام كامل دون استغلال، في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف المواطنين الحصول على وحدة سكنية مناسبة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف تنفق الدولة ملايين الجنيهات لإنشاء وحدات سكنية ثم تظل هذه الوحدات مغلقة بلا استخدام؟

وفي ملف الأراضي الزراعية، سجلت محافظة الوادي الجديد أعلى قيمة للمتأخرات المستحقة عن أراضي الاستصلاح الزراعي بإجمالي مليار و140 مليون جنيه، وهو رقم ضخم كان يمكن أن يسهم في تمويل العديد من المشروعات الخدمية والتنموية لو تم تحصيله في المواعيد القانونية.

أما محافظة الغربية، فقد كشف التقرير عن استمرار عدم تحصيل قروض خاصة بالإسكان والنقل الداخلي بقيمة 139 مليون جنيه لأكثر من عشرين عامًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التأخير الطويل، وحول الجهات المسؤولة عن متابعة تلك المستحقات طوال هذه السنوات.

وفي القطاع الصحي، أشار التقرير إلى أن مستحقات صندوق تحسين الخدمة لدى المستشفيات وجهات التأمين بلغت 283 مليون جنيه، من بينها 67 مليون جنيه بمحافظة المنوفية وحدها. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة إذا ما قورنت بالاحتياجات المستمرة للمستشفيات الحكومية من أجهزة ومستلزمات طبية وأعمال تطوير وصيانة.

ولم يكن قطاع التعليم بعيدًا عن دائرة الملاحظات الرقابية، إذ بلغت قيمة مستحقات الأنشطة التعليمية غير المحصلة نحو 158 مليون جنيه خلال الفترة من عام 2021 وحتى عام 2024. وشملت هذه المستحقات رسومًا دراسية واشتراكات متنوعة في محافظات الشرقية والدقهلية وبورسعيد، بما يعكس وجود قصور واضح في منظومة التحصيل والمتابعة.

كما رصد التقرير مستحقات غير محصلة من إعلانات الشوارع والمباني المخالفة بلغت 46 مليون جنيه في محافظات المنيا والأقصر والإسماعيلية، وهي أموال كان من المفترض أن تدخل إلى خزائن الدولة وأن توجه لتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.

ومن بين أخطر ما ورد في التقرير أيضًا، عدم التزام بعض الصناديق والحسابات الخاصة بتوريد نسبة الـ15% المقررة قانونًا للخزانة العامة من إيراداتها الشهرية، وفقًا لأحكام القانون رقم 91 لسنة 2023. وقد بلغت قيمة المبالغ غير الموردة 84 مليونًا و671 ألف جنيه، بما يمثل مخالفة صريحة للقانون تستوجب الوقوف أمامها بحزم.

إن الصورة التي يرسمها التقرير لا تتعلق فقط بأرقام أو جداول مالية، بل تكشف عن منظومة تحتاج إلى مراجعة جادة وشاملة. فحين تتراكم المستحقات غير المحصلة بالمليارات، وتظل وحدات سكنية مغلقة رغم الحاجة إليها، وتتأخر تسويات مالية لسنوات طويلة، فإن الأمر يتجاوز حدود الأخطاء الإدارية إلى قضية ترتبط بكفاءة إدارة المال العام.

لقد قام الجهاز المركزي للمحاسبات بدوره في الرصد والتوثيق وكشف الحقائق بالأرقام والمستندات، لكن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعد صدور التقرير، وتقع على عاتق الجهات التنفيذية والرقابية المعنية التي يتوجب عليها اتخاذ إجراءات عاجلة لاسترداد أموال الدولة، ومحاسبة المقصرين، ومنع تكرار هذه المخالفات.

وتنص المادة 27 من الدستور المصري على أن الموارد العامة للدولة ملك للشعب، وأن الحفاظ عليها واجب وطني. ومن هذا المنطلق فإن كل جنيه يضيع أو يتعطل تحصيله أو ينفق بعيدًا عن الضوابط القانونية يمثل انتقاصًا من حقوق المواطنين.

ويبقى السؤال الذي ينتظر الرأي العام إجابة واضحة عنه: هل ستظل هذه الأرقام حبيسة التقارير والملفات، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات حقيقية تعيد الانضباط إلى منظومة الصناديق والحسابات الخاصة، وتضمن أن تعود كل جنيهات الدولة إلى مكانها الطبيعي داخل الخزانة العامة؟

فالمال العام أمانة، وحمايته ليست خيارًا، أما السكوت على إهداره فهو مشاركة غير مباشرة في ضياعه.