الكاتب الصحفي : ممدوح عيد يكتب .. لمة العيلة

لم تكن “لمة العيلة” يومًا مجرد تجمع عابر حول مائدة طعام، بل كانت روح البيت التي تمنحه الحياة. كانت تلك اللحظة الصغيرة كفيلة بأن تعيد ترتيب العالم داخل القلوب، مهما كان خارج الأبواب صخب الحياة وضغوطها.
في البيوت المصرية القديمة، لم يكن أحد يحتاج إلى دعوة رسمية ليأتي. كان الموعد معروفًا في القلوب قبل أن يكون مكتوبًا في المفكرات. مساء الجمعة، أو ليلة العيد، أو حتى زيارة مفاجئة بلا ترتيب… فجأة يمتلئ البيت بالوجوه التي تشبهك، وبالضحكات التي تعرف طريقها إلى القلب دون استئذان.
كانت الجدة تتحرك في المطبخ بهدوء الواثقين، تضع في الطعام شيئًا لا يباع في الأسواق، الحب، وكان الجد يجلس في صدر المجلس، يكرر الحكايات نفسها التي سمعها الأبناء عشرات المرات، ومع ذلك كانوا ينصتون وكأنهم يسمعونها لأول مرة. لم تكن قيمة الحكاية في تفاصيلها، بل في الصوت الذي يرويها.
الأطفال يركضون بين الغرف، يتشاجرون على لعبة صغيرة، ثم يتصالحون بعد دقائق، أحدهم يختبئ خلف أمه، وآخر يقفز في حضن جده دون استئذان. الضجيج يملأ المكان، لكن ذلك الضجيج كان أجمل موسيقى يمكن أن يسمعها البيت.
في تلك اللحظات لم يكن أحد يفكر في حسابات الوقت، ولا في ضغوط العمل، ولا في الأخبار الثقيلة التي تملأ الشاشات. كان كل شيء يتراجع أمام دفء بسيط اسمه “العيلة”.
لكن السنوات الأخيرة سرقت من هذه اللحظات الكثير. لم تعد المشكلة فقط في ضيق الوقت أو كثرة المشاغل، بل في ضيف جديد دخل بيوتنا دون استئذان… الهاتف المحمول.
صار من المعتاد أن تجتمع الأسرة في مكان واحد، لكن كل فرد يعيش في عالم آخر، أب يحدق في شاشة هاتفه، وأم تتنقل بين الصور والمنشورات، وأبناء غارقون في بحر لا ينتهي من الفيديوهات. المفارقة المؤلمة أن الجميع يجلسون متجاورين، لكن المسافات بينهم أصبحت أبعد من أي وقت مضى.
أصبح من السهل أن نرسل قلوبًا حمراء على الشاشات، لكن من الصعب أن نمنح من نحبهم دقيقة إنصات حقيقية. صرنا نعرف أخبار العالم لحظة بلحظة، بينما تفوتنا أحيانًا ملامح الحزن أو التعب على وجه أقرب الناس إلينا.
وربما لا ندرك قيمة تلك اللحظات إلا عندما يغيب أحد أصحابها. عندما يرحل الجد الذي كان يروي الحكايات، أو تظل كرسي الجدة فارغًا في زاوية الصالة، أو تتحول الضحكات القديمة إلى مجرد ذكريات نتداولها بحنين. عندها فقط نفهم أن “لمة العيلة” لم تكن عادة اجتماعية فحسب، بل كانت نعمة كبيرة لم نكن ننتبه إليها.
كم من بيوت كانت تضج بالحياة، ثم جاء يوم صار الصمت فيها أثقل من الكلام. وكم من إنسان يتمنى الآن أن تعود لحظة واحدة فقط من تلك اللحظات، ليجلس فيها مع من أحبهم قبل أن تفرقهم الأيام.
إن المجتمعات لا تبنى بالقوانين وحدها، بل تبنى بالروابط الإنسانية التي تمنح الناس شعور الأمان والانتماء، وأول هذه الروابط تبدأ من الأسرة، من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع حول مائدة واحدة أو في غرفة واحدة، يتبادلون الكلام، ويكتشف كل منهم أن وجود الآخر في حياته ليس أمرًا عابرًا.
قد لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نعيد بعضًا من روحه. ربما بزيارة مفاجئة، أو دعوة بسيطة بلا تكلف، أو بقرار صغير: أن نضع الهواتف جانبًا لساعة واحدة، لنستعيد الحديث الذي افتقدناه طويلًا.
ففي النهاية، قد تتغير أشياء كثيرة في الحياة، لكن تبقى “لمة العيلة” واحدة من أجمل اللحظات التي تمنح الإنسان شعورًا نادرًا بأن له مكانًا دافئًا في هذا العالم.
فربما لا يحتاج البيت إلى أثاث جديد أو جدران أوسع، كل ما يحتاجه أحيانًا هو صوت ضحكة صادقة، وكرسي إضافي حول المائدة،ولمة عيلة تعيد للقلوب دفئها القديم.
كاتب المقال الكاتب الصحفى ممدوح عيد مدير تحرير جريدة الجمهورية

