الدكتور فؤاد منير يكتب كيف نتعامل مع تعثّر البدايات لدى شبابنا؟

في زمن تُختزل فيه قصص النجاح في مقاطع قصيرة على منصات التواصل، وتُروَّج فيه النهايات اللامعة منفصلة عن مسارها الطويل، تبدو حكايات البدايات المتعثّرة كأنها تفصيل يمكن تجاوزه. غير أن تجربة الشاب المصري مصطفى مبارك، خريج جامعة كنتاكي في الولايات المتحدة، تعيد الاعتبار لحقيقة أعمق: عظمة النهايات كثيرًا ما تُصنع من خشونة البدايات لا من نعومتها.
بداية بألف دولار وحاجز لغة
في السابعة عشرة من عمره، وصل طالب مصري شاب إلى مدينة ليكسنغتون بولاية كنتاكي الأمريكية، وحيدًا، يحمل في حقيبته ما يقارب الألف دولار، وفي رصيده من اللغة الإنجليزية ما لا يكفي لإجراء محادثة كاملة في الشارع أو قاعة الدرس.
لا شبكة علاقات، ولا بيئة حاضنة، ولا موارد مالية مريحة تتيح له رفاهية التجربة والخطأ. كل شيء من حوله كان جديدًا: الوجوه، ونظام التعليم، وإيقاع الحياة اليومية، وطبيعة الأسئلة المطروحة في الفصول الجامعية.
هذه ليست الصورة النمطية التي تُقدَّم عادة عن «الدراسة في الخارج» في المخيال العام، لكنها الوجه الواقعي لما يمكن وصفه بتعثّر البدايات. التعثّر هنا لم يكن حادثًا عابرًا في أيام الوصول الأولى، بل معادلة كاملة: غربة قاسية، وإمكانات محدودة، وحاجز لغوي وثقافي يفصل الداخل عن الخارج.
من التعثّر إلى منصّة التخرج
بعد أربع سنوات فقط، تبدّل المشهد تمامًا. الجامعة الأمريكية ذاتها التي استقبلت ذلك الطالب المتردد في أول محاضرة، احتفت به خريجًا استثنائيًا يحمل ثلاث شهادات بكالوريوس في تخصصات هندسية من جامعة كنتاكي، في سابقة لافتة في تاريخها الأكاديمي.
لم تكتفِ الجامعة بمنحه التكريم العلمي، بل اختارته من بين آلاف الطلاب ليلقي كلمة الخريجين في حفل التخرج، في لحظة رمزية تختزل مسارًا طويلًا من العمل الصامت والانضباط اليومي.
ما بين الوصول بألف دولار وإنجليزية متعثّرة، والوقوف على منصة التخرج بثلاث شهادات، لم يكن هناك سحر ولا اختصار، بل ساعات طويلة من الكفاح: تحسين اللغة إلى مستوى أكاديمي، واستيعاب مناهج هندسية معقدة بلغة لم تكن مألوفة، واحتمال الضغط النفسي والمادي في مجتمع مختلف تمامًا عن بيئة النشأة.
ما الذي يصنع الفارق بين البداية والنهاية؟
تطرح هذه التجربة سؤالًا مشروعًا: هل تُعدّ البدايات الصعبة عائقًا أمام النهايات العظيمة، أم أنها قد تكون أحد شروطها؟
الإجابة التي تقترحها قصة مصطفى أن المشكلة ليست في وعورة البداية بحد ذاتها، بل في طريقة قراءتنا لها. فكثيرون يتعاملون مع العثرة الأولى بوصفها حكمًا نهائيًا على المستقبل، بينما هي في حقيقتها لحظة الاحتكاك الأولى بين الحلم والواقع.
في هذه اللحظة يسقط التصور المثالي للمسار، ويظهر شكل التحدي الحقيقي: نقص في اللغة، وضيق في الوقت، وضغط في النفقات، وغموض في الخطوة التالية. ما يميز من يواصلون عن غيرهم لا يكمن في حجم ما يواجهونه من عقبات، بل في قرار داخلي بسيط: هل تُحوَّل هذه العقبات إلى حجج للتراجع، أم إلى وقود للمضي قدمًا؟
مصطفى لم يتعامل مع ضعفه اللغوي باعتباره «نقطة نهاية»، بل باعتباره «مهمة إضافية» تُنجز جنبًا إلى جنب مع الدراسة. لم ينظر إلى محدودية موارده المالية كسبب للانسحاب، بل كحافز لتنظيم وقته وجهده بأعلى قدر من الانضباط. هكذا تتحوّل العثرة من عبء يشلّ الحركة إلى معطى واقعي يُعاد ترتيب الحياة حوله.
رسالة إلى الشباب… والمجتمع
أهمية هذه القصة لا تقف عند حدود الإلهام الفردي، بل تطرح سؤالًا أوسع على مجتمعاتنا العربية: كيف نتعامل مع تعثّر البدايات لدى شبابنا؟
كثيرًا ما يتحول أول إخفاق دراسي أو تعثر مهني إلى «وصمة» تلازم صاحبها، بدل النظر إليه كمرحلة طبيعية في مسار تشكّل الخبرة. في بيئات لا تسمح بالخطأ ولا تتسامح مع التردد، تصبح العثرة الأولى كافية لانسحاب دائم من الحلم.
نموذج الشاب الذي بدأ رحلته في أمريكا بألف دولار وبضعة عبارات إنجليزية، ثم وقف بعد سنوات قليلة ممثلًا لآلاف الخريجين، يقدّم درسًا بليغًا: ليست المشكلة في أن يبدأ الإنسان من الصفر، بل في أن يُقال له مبكرًا إن هذا الصفر هو سقفه الأخير.
مجتمع يختزل الشباب في أول فشل، ويحاكمهم على بداياتهم المرتبكة، يقطع بخياره هو الطريق أمام كثير من النهايات الممكنة.
ما بعد التصفيق
من السهل أن نتوقف عند صورة التخرج: عَلم يُوشَّح على الكتف، ومنصة مضيئة، وتصفيق حار لكلمة مؤثرة. لكن القيمة الحقيقية لأي قصة نجاح لا تُقاس بلحظة التصفيق، بل بما قبلها: الغرفة الضيقة في عام الغربة الأول، والاتصال الهاتفي القصير المليء بالقلق مع الأسرة، والمحاولات الأولى لفهم محاضرة لم تستوعبها الأذن جيدًا، والامتحان الذي أعقب ليلة من الأرق.
حين نضع هذه التفاصيل في قلب الحكاية، تصبح النهاية العظيمة نتيجة طبيعية لمسار واضح، لا مفاجأة مبهمة أو «معجزة» تُنسب إلى الحظ.
«تعثّر البدايات وعظمة النهايات» ليس شعارًا تجميليًا، بل وصف لمسار إنساني متكرر: البداية وُجدت لتختبر صدق الاتجاه، لا لتمنح الطمأنينة الكاملة. قد تصل إلى محطة انطلاقك وأنت لا تملك سوى ألف دولار وثلاث جمل بلغة أجنبية، لكن هذا لا يمنع أن تكتب بعد سنوات قليلة فصلًا مختلفًا تمامًا من حياتك.
في زمن الصور اللامعة، ربما تكون الرسالة الأهم لجيل كامل من الشباب هي الآتية: لا تنخدعوا بالنهايات المنزوعة من سياقها، ولا تحكموا على أحلامكم من شكلها في اليوم الأول. فكم من بداية متعثّرة حملت في داخلها نواة نهاية تستحق أن تُروى

