الكاتب الصحفى محمود الشاذلى يكتب : خدمة الناس الواجب المستحق وخطيئة الإنكار .

نعــم .. تاه الناس حتى من أنفسهم بفعل ضغوطات الحياه ، إلى الدرجه التى معها فقد كثر منهم القدره على تحمل تبعات الحياه ، وإدراك مجرياتها ، والتعايش مع ثوابتها الحياتيه ، وكذلك إدراك أن هموم الحياه ، والتأثر بظروف الأبناء ومعاناتهم التى تجعلهم فى كرب أوقاتا كثيره لايمكن أن يكونوا مبررات مقنعه لعدم إدراك أهمية تقدير الناس وتوقيرهم ، والتوقف عن التفكير فى تجاوزها وكأن وجودها بات قدرا مقدرا .، الأمر الذى معه فقدنا قيما نبيله ، وأخلاقا حميده ، وتلاشت ثوابت مجتمعيه كانت راسخه ، ومستقره جيلا بعد جيل ، كما فقد الناس القدره على إدراك أن تقديم العطاء والمساعده لايمكن أن يقبل أحدا أن يكون منطلقه بالنسبه لمن يتطوع به قائما على الأمر والنهى والإلزام ، وليس على الموده والرحمه وكريم الخلق ، وكلمة طيبه وإدراك لما يبذل من جهد ، دون ذلك يكون هناك حاجه غلط لأنه مهما كانت الضغوطات النفسيه أو المجتمعيه ، لايمكن أن يقبل إنسانا يقدم العطاء أن يقابل ولو بغلظه فى القول ، أو حتى عدم تقدير لما يقدمه من صنائع المعروف ، يضاف إلى ذلك أن يكون من الخطيئه أن ينكر الإنسان جهدا بذل له فى أمور كثيره لمجرد عدم تلبية مطلب قد يكون من الصعوبه لأنه يحكمه آليات شديدة التعقيد .
عدم الوفاء ، وإنكار الجهد ، باتت ظاهره مجتمعيه مؤلمه ، فكارثه أن يصدر من قدم له عطاءا على مدى سنين عمر مرارا وتكرارا نهج المظلوميه ، ويوجه نقدا للمسئولين ولمن يلتمس لديه المساعده لمجرد عدم تلبية طلبا ينشده ، والذى وبحق قد يكون من الصعوبه تنفيذه ، دون إدراك أنه يكفى من يقدم العطاء شرف المحاوله ، وبذل الجهد معه كل الوقت ، لذا يكون من الخطيئة التقليل منهم ، أو ذكره بسوء لمجرد عدم الإستطاعه تنفيذ مايطلب منهم .
إنطلاقا من المحبه ، والتناصح ، والتنبيه إلى خطورة تلك الظاهره على المجتمع ، وأنها تدفع دفعا من يقدم العطاء أن يغلق بابه على نفسه ويترك الناس يعيشون فى دوامه منطلقها القهر ، خاصة من لايحمل صفة نيابيه ، بل متطوعا لله وفى الله ، يتعين التأكيد على أنه من الثوابت الأخلاقيه المستقره أن يلتمس الإنسان لأخيه الإنسان العذر عندما يظن أنه قصر بحقه فى أمر ما ، خاصة وأنه متطوعا لخدمته ، وليس ملزما بها ، أو لها مقابل ولو معنوى ، هذا المعنى النبيل يمثل قاعدة أخلاقية رفيعة تحث على حسن الظن ، وقد وردت معانٍ مشابهة لها عن بعض السلف الصالح ، والأجدر أن يقدر له ماقدمه وأنه يكفيه شرف المحاوله ، وأن يحترم أن فرغ وقته وبذل معه الجهد ، لاأن يوجه له لوم أوينعته بالتقصير ، أو يوجه له حتى عتاب ، وليذهب بهدوء شديد يلتمس الخدمه لدى النواب الذين يتحملون المسئوليه أعانهم الله ووفقهم ، وجعلهم عند حسن الظن ، خاصة وأن خدمة الناس من أهم واجباتهم ، ودائما ماتكون الدعوات لهم بالتوفيق .
يبقى أن ندرك أن من يقدمون عطاءا دون النواب وإن كان واجبا مستحقا إنسانيا ومجتمعيا ، إلا أنه من الظلم أن يكون مطالبتهم به عبر أوامر يكتنفها إلزام ، وكذلك من الظلم توجيه اللوم إذا لم يتم التنفيذ خاصة عندما يكون منطلق عدم الإستجابه عدم القانونيه ، أو الصعوبه التي ترتقى إلى درجة الإستحاله ، كما أنهم من أهل العطاء والخير فى هذا المجتمع خداما لأهلهم متطوعين ، فى القلب منهم أسيادنا المرضى لله وفى الله وإبتغاء مرضاته ، ودائما ماتكون الدعوات إلى الله تعالى أن يتقبل خاصة وأن مايبذل من عطاء إستقطاعا من وقت راحة المعطى ، والتى لايجب أن تكون على حساب مسئوليات عمله .
يتعين تقدير المسئولين ، الذين يبذلون الجهد ، وكذلك المتطوعين بالخدمه ، فشكرهم واجب ، بل إنه شرعا يُعد الإعتراف بالفضل وشكر من سعى في قضاء الحاجة وإن لم يُوفق في تنفيذها خلقاً إسلامياً أصيلاً ومبدأً نبوياً ، يهدف إلى تعزيز الوفاء وطهارة النفس ، وليس منقصة في حق الطالب حيث أرشد النبى صلى الله عليه وسلم إلى أن شكر الناس على معروفهم حتى وإن قلّ أو لم يكتمل جزء لا يتجزأ من شكر الله تعالى ، حيث قال صلى الله عليه وسلم " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " ، كما أمر الشرع بوجوب شكر المحسن على معروفه ، ولو بالثناء باللسان والدعاء هو البديل الشرعي الذي يوازي مكافأة المعروف ، ففي الحديث "من أُولي معروفاً فليكافئ عليه ، فمن لم يفعل فليذكره ، فإن من ذكره فقد شكره " ، وكذلك فإن ذكر أصحاب الفضل يحفظ الجميل ، ويقي المجتمع من " نكران المعروف "، وهو خصلة تتنافى مع المروءة والإحسان ، خاصة وأن السعي في حاجة المسلم عمل صالح مأجور ، فمن سعى ولم يحقق المطلب (بسبب خارج عن إرادته) فقد بذل مجهوداً مشكوراً ، وشكره يُشجع على استمرار روح التعاون وبذل المعروف ، الخلاصه .. الإعتراف بجميل من حاول مساعدتك ، حتى في حال عدم نجاحها ، يدل على سلامة القلب ، ونقاء السريرة ، والوفاء ، كما أن المطلب شرعاً هو الوفاء بذكر الساعي ونسبة الفضل إليه ، فإذا لم ينجز العمل ، فالدعاء له بظهر الغيب يوافق حديث النبى صلى الله عليه وسلم "...فإن لم تجدوا فادعوا له ".
خلاصة القول .. يعلم الله أن ماطرحته ليس منطلقه جلد الذات ، أو الإشاره لأحد بل أتناول ظاهره باتت مخيفه فى المجتمع وليس سلوكا لآحاد الناس ، وذلك إنطلاقا من محبه ، والحرص على أن يسود بين الناس جميعا الموده والرحمه ، ويتعاظم إلتماس الأعذار ، لأن جميعهم قيمة أخلاقية رفيعة ، ومنهج إسلامي حث عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وله أهمية كبيرة في استقرار المجتمع ، ونفوس الأفراد ، ويقي إلتماس العذر القلوب من البغضاء ، والغل ، والحقد ، والضغينة ، كما أنه يريح النفس من عناء سوء الظن والقلق المستمر بشأن تصرفات الآخرين ، كما يسهم في تقوية الروابط الاجتماعية ، ونشر المحبة والأخوة ، ويديم علاقات الصداقة . كما يُعد التماس العذر للآخرين من محاسن الأخلاق ومن أرقى درجات التسامح النفسي ، إلتماس العذر هو تطبيق عملي لحسن الظن ، وحمل أفعال الآخرين على أحسن المحامل ما لم يتبين خلاف ذلك ، إلتماس الأعذار ، كما ينصح العلماء ، هو أن تلتمس لأخيك عذراً (حتى يصل إلى سبعين عذراً) ، فإن لم تجد ، فقل لعل له عذراً لا تعرفه ، وذلك حرصاً على جمع الكلمة وسلامة الصدور .
الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .

