بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى أحمد يوسف يكتب : التعاونيات شركاء في التنمية

الكاتب الصحفى أحمد يوسف
-

خلال الشهر المنصرم أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتعيين ستة من القامات ذات الخبرة والكفاءة في مجلس إدارة الاتحاد العام للتعاونيات، حيث شمل القرار كلًا من الدكتور سعد نصار مدير مركز البحوث الزراعية الأسبق، والدكتور محمد عبد المنعم محافظ الغربية الأسبق، والمستشار محمد عبد الظاهر نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، والوزير المفوض حمدي أحمد مدير إدارة الاتحاد التعاوني العربي، والدكتور طلعت عبد القوي رئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية، والمهندس عصام بدوي عضو مجلس إدارة الشركة القابضة لمياه الشرب.
وهؤلاء الأعضاء يمثلون خبرات واسعة في العمل العام واحتكاك مباشر بقضايا المواطنين، بما يعكس أهمية الدور المنتظر منهم داخل منظومة العمل التعاوني. غير أن قطاع التعاونيات ما زال يواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها البيروقراطية وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، رغم أن هذا القطاع يُعد من أهم أدوات دعم الاقتصاد الشعبي.
فالتعاون الاستهلاكي التابع لوزارة التموين يضم نحو 2440 جمعية تعاونية استهلاكية، إضافة إلى 4250 منفذًا موزعًا على القرى والنجوع في مختلف المحافظات، ومع ذلك لا تزال هذه المنظومة تعاني من عدم توافر السلع الأساسية بالشكل الكافي، على النحو الذي يوازي ما هو موجود في بعض الجمعيات التابعة لمديريات التموين، وهو ما يضعف قدرتها على أداء دورها في ضبط الأسواق وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
أما التعاون الزراعي التابع لوزارة الزراعة، فهو الآخر يواجه تحديات لا تقل أهمية، إذ يعاني من ضعف توفير مستلزمات الإنتاج والتسويق، رغم أن الدولة تتحمل دعمًا كبيرًا لمنظومة الأسمدة، إلا أن عملية التوزيع ما زالت تمثل عبئًا إضافيًا على الفلاح. كما أن ملف الأعلاف لا يزال يفتقر إلى آليات توفير مستقرة وبأسعار مناسبة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار اللحوم والإنتاج الحيواني.
والحقيقة أن الفكر التعاوني ليس طارئًا على المجتمع المصري، بل هو ممتد في جذوره منذ القدم، حيث يقوم على فكرة المساندة المتبادلة بين الأفراد والجماعات، فالفرد يحتاج إلى الجماعة والجماعة تحتاج إلى الفرد، وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى». كما أن الحركة التعاونية الحديثة بدأت في إنجلترا عام 1844 على يد روبرت أوين، ثم تطورت على يد تلاميذه في روتشديل، قبل أن تنتقل وتترسخ في العديد من دول العالم، ومنها مصر التي شهدت بداياتها الفعلية عام 1908 على يد أعضاء نادي الشباب الوطني دعمًا للحركة الوطنية بقيادة مصطفى كامل، وكان الرائد عمر لطفي من أبرز مؤسسي هذا الاتجاه.
ويُعد الاتحاد العام للتعاونيات هو الهرم الأكبر في هذه المنظومة، برئاسة الدكتور أحمد عبد الظاهر أستاذ القانون بجامعة القاهرة، وهو الجهة الأعلى إشرافًا على الاتحادات التعاونية الخمسة، والتي تشمل الاتحاد الاستهلاكي، والتعاون الإنتاجي، والتعاون الزراعي، والتعاون الإسكاني، إلى جانب التعاون المائي.
فالقطاع الاستهلاكي يتبع وزارة التموين ويهدف إلى توفير السلع والخدمات للأعضاء دون هدف ربحي، بينما يتبع التعاون الإنتاجي وزارة التضامن الاجتماعي، وقد أُنشئ بالقانون 110 لسنة 1975 بهدف دعم القطاعات الإنتاجية والصناعات الحرفية. أما التعاون الزراعي فيتبع وزارة الزراعة، وأُنشئ بالقانون 122 لسنة 1980 بهدف تطوير النشاط الزراعي في مختلف مجالاته. والتعاون الإسكاني يتبع وزارة الإسكان، وأُنشئ بالقانون 14 لسنة 1981 لتوفير وحدات سكنية للأعضاء بسعر التكلفة. في حين أن التعاون المائي يتبع وزارة الزراعة وأُنشئ بالقانون 123 لسنة 1983 بهدف تنمية الموارد والثروات المائية.
وفي النهاية، يظل ملف التعاونيات في مصر واحدًا من أهم الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج إلى إعادة قراءة شاملة ورؤية أكثر جرأة وفاعلية، لأنه ليس مجرد قطاع خدمي أو إداري، بل منظومة متكاملة تمس حياة المواطن اليومية من السلع إلى الإنتاج إلى السكن إلى الزراعة. إن النهوض الحقيقي بهذا القطاع يتطلب إرادة موحدة وتنسيقًا جادًا بين الحكومة بمؤسساتها المختلفة، والمجتمع المدني بما يمتلكه من خبرات وإمكانات، والسلطة التشريعية بما تملكه من أدوات رقابية وتشريعية قادرة على دعم وتطوير المنظومة.
فالتعاونيات كانت وما زالت تمثل الظهر الاقتصادي للمواطن البسيط، والفلاح والعامل وصاحب الحرفة، وهي الأداة الأهم لتحقيق العدالة الاجتماعية وتخفيف الأعباء المعيشية. لكن استمرار البيروقراطية وضعف الإدارة وتشتت المسؤوليات بين الجهات المختلفة أدى إلى تراجع دورها رغم الإمكانات الكبيرة المتاحة.
ومن هنا، فإن إعادة إحياء الفكر التعاوني بروح عصرية حديثة، وتفعيل دوره الحقيقي في ضبط الأسواق ودعم الإنتاج وتوفير السلع والخدمات بأسعار عادلة، أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالتعاونيات ليست مجرد مؤسسات، بل فلسفة حياة تقوم على المشاركة والتكامل، وإذا أُحسن استثمارها فإنها قادرة على أن تكون أحد أهم أدوات التنمية المستدامة في مصر، وجسرًا حقيقيًا بين الدولة والمواطن في رحلة البناء والتنمية.