الكاتب الصحفى جهاد عبد المنعم يكتب: شيرين.. صوت يشدو بالفرح رغم كل الحزن والألم

شيرين عبد الوهاب ليست مجرد صوت يمر، بل زلزال من الإحساس يهز القلوب قبل الآذان، ويفرض حضوره دون استئذان ، حين تغني لا تكتفي بالوصول إلى آذان الناس وانما الي القلوب والمشاعر وتعيد ترتيبها من جديد وكأنها تمسك بخيوط القلب وتعرف كيف تعزف عليها بلا خطأ
. هي تلك الحالة النادرة التي لا تصنع ، ولا تتكرر، ولا تنافس لأنها ببساطة تختصر معنى الصدق في زمن امتلأ بالضجيج.
شيرين ليست مجرد مطربة بل حالة وجدانية كاملة، صوت حين ينطلق يحمل في طبقاته دفء البيوت المصرية وحنين الشوارع القديمة، وصدق المشاعر التي افتقدها كثيرون في زحام الحياة. هي واحدة من القلائل الذين إذا غنوا صمت الضجيج وإذا حضروا حضر معهم الإحساس.
منذ بداياتها استطاعت شيرين أن تضع قدمها بثبات على طريق النجومية دون أن تتخلى عن عفويتها التي أصبحت جزءا من هويتها فصوتها ليس مجرد مساحة صوتية واسعة بل هو مساحة إنسانية قادرة على احتواء الحزن والفرح معا حين تغني للحب تشعر وكأنها تعيشه، وحين تشدو بالألم تظن أنها تحكي قصتك أنت.
كثير من الشعراء تحدثوا عن شيرين بوصفها “صوت القصيدة”، حيث يرى عدد من كبار كتاب الأغنية أن كلماتهم تكتمل فقط عندما تمر عبر حنجرتها. يقول أحد الشعراء إن شيرين “تعيد كتابة الكلمات بصوتها”، في إشارة إلى قدرتها الفريدة على منح النص بعدا جديدا يتجاوز المعنى المكتوب فهي ليست مجرد مؤدية بل شريكة حقيقية في صناعة الأغنية.
أما الملحنون فينظرون إليها ككنز موسيقي نادر، حيث أكد أكثر من ملحن أن التعامل مع صوت شيرين يشبه التعامل مع آلة موسيقية متكاملة، قادرة على الانتقال بسلاسة بين المقامات، وتحمل أدق التفاصيل اللحنية دون أن تفقد إحساسها. هي مطربة تعرف كيف “تعيش” اللحن، لا مجرد أدائه، وهو ما يجعل كل عمل تقدمه مختلفا ومميزا.
النقاد كذلك لم يترددوا في وضع شيرين ضمن قائمة الأصوات الأهم في تاريخ الغناء العربي الحديث، فهي تمثل امتدادا حقيقيا لمدرسة الطرب الأصيل ولكن بروح عصرية تناسب جمهور اليوم، واستطاعت أن تحقق المعادلة الصعبة، أن تكون جماهيرية دون أن تتنازل عن قيم الفن، وأن تكون قريبة من الناس دون أن تفقد هيبتها الفنية.
ولعل سر هذا الحب الجارف الذي تحظى به شيرين في مختلف أنحاء الوطن العربي هو صدقها الذي لا يمكن تزييفه، فالجمهور لم يرها يوما نجمة بعيدة، بل إنسانة تشبهه، تفرح وتبكي وتخطئ وتعتذر، لكنها في النهاية تظل “صوت القلب”. وهذا ما جعلها صانعة للبهجة، ليس فقط من خلال أغانيها، بل من خلال حضورها الإنساني القريب من الجميع.
في حفلاتها يتحول المشهد إلى حالة استثنائية من التفاعل، حيث يغني الجمهور معها قبل أن تغني لهم، وكل كلمة تجد صداها، وكل لحن يجد طريقه إلى القلوب. هي ليست فقط من تغني، بل من يغني الناس معها، وتمنحهم لحظات نادرة من الفرح الحقيقي.
ولا يمكن الحديث عن شيرين دون الإشارة إلى قدرتها على التجدد، فهي رغم مسيرتها الطويلة لا تزال قادرة على مفاجأة جمهورها بأعمال تحمل نفس البريق، وكأنها في بداية الطريق، وهذه القدرة على الاستمرار ليست صدفة، بل نتيجة موهبة حقيقية ووعي فني عميق.
وفي أحدث محطاتها الفنية، وبعد فترة من الغياب وما صاحبها من شائعات وتساؤلات حول مستقبلها الفني، عادت شيرين عبد الوهاب لتؤكد أن الغياب لا يعني النهاية، بل قد يكون بداية أكثر قوة وتألقا، وذلك من خلال طرح أحدث أعمالها الغنائية “الحضن شوك”، لتعلن بها عودة طال انتظارها، سرعان ما تصدرت بها قوائم الترند وحظيت بتفاعل واسع من جمهورها في مختلف أنحاء الوطن العربي، فيما حرص عدد كبير من نجوم الفن على تهنئتها والإشادة بعودتها القوية.
ولم تكن هذه العودة مجرد أغنية جديدة فقط، بل جاءت بعد مرحلة طويلة من التحديات والتقلبات، ظهرت خلالها شيرين في لقاءات إعلامية تحدثت فيها عن رحلة “التصالح مع النفس”، مؤكدة أن ما مرت به كان قاسيًا لكنه ضروري لإعادة اكتشاف الذات من جديد.
وأوضحت أنها لم تبتعد عن الفن بإرادتها الكاملة، بل كانت في حاجة حقيقية إلى وقفة مع النفس، لإعادة ترتيب أولوياتها، مشيرة إلى أن جمهورها كان الداعم الأول في أصعب اللحظات، وهو ما منحها القوة للعودة من جديد بطاقة مختلفة ورغبة أكبر في تقديم فن يليق بتاريخها.
كما كشفت عن استعدادها لطرح مجموعة من الأغاني الجديدة خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها أصبحت أكثر حرصا في اختيار أعمالها، وتسعى لتقديم محتوى يعبر عنها بصدق ويصل إلى الناس بإحساس حقيقي دون تصنع أو مبالغة.
هذه العودة لا تبدو مجرد عودة فنية عابرة، بل تمثل بداية فصل جديد في مسيرة فنانة عاشت تقلبات عديدة، لكنها أثبتت أنها قادرة دائمًا على النهوض من جديد، لتظل كما كانت دائمًا “صوت البهجة” و”نبض الإحساس” الذي لا يغيب.
الحديث عن شيرين يحتاج الكثير والكثير، وإذا اختصرنا القول، فإنها نجحت في أن تكتب اسمها بحروف من ذهب في سجل الفن العربي، ليس فقط بما قدمته من أغنيات، بل بما زرعته من محبة في قلوب جمهورها، فالفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الأغاني، بل بعمق الأثر، وشيرين، بكل تأكيد، واحدة من أكثر الفنانات تاثيرا في جيلها.
كاتب المقال الكاتب الصحفى جهاد عبد المنعم نائب رئيس تحريرالوفد ورئيس التحرير التنفيذى لموقع بوابة الدولة الاخبارية

